2019-03-21

القدس والجولان أراضٍ عربية محتلة..!


بقلم: المحامي إبراهيم شعبان

بعد أكثر من خمسين عاما من الإحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية والسورية، صحت وزارة الخارجية الأمريكية من سبات عميق على صرخات كونجرسية أمريكية من على تلة الكابيتول تدعو لتغيير المركز القانوني لكليهما، فقررت تغيير سياستها تجاه مرتفعات الجولان العربية السورية واعتبارها محتلة، لتتعامل معها كأراض متنازع عليها تحت السيطرة الإسرائيلية، وتوقفت عن اعتبارها أرضا محتلة في أدبياتها، بعد أن كانت قد سبقتها بتغيير الوضع القانوني لمدينة القدس.

ويبدو أن الإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب  قد ضاقت بسياستها القديمة الثابتة القاضية باعتبار مرتفعات الجولان أرضا محتلة، والتي بذلت من أجل حل سياسي لها جهدا مميزا على صعيد الرؤساء الأمريكيين أمثال نيكسون وبوش وكلينتون ووزراء خارجيتيهم، وتوجهت إلى تغيير سياستها المتوازنة نوعا ما، واعتبارها أرضا خاضعة للسيطرة الإسرائيلية، والتوقف عن التعامل معها كأرض محتلة.

هذا الموقف الأمريكي الجديد، متفق عليه بل محبذ وموضع تلاق بين الحزبي الجمهوري والحزب الديموقراطي وممثليه في مجلسي الكونجرس الأمريكي، رغم الخلافات العميقة  في شتى المواضيع، إلا في الموضوع الإسرائيلي المجمع عليه أمريكيا، سبحان الله.

هذا الموقف الأمريكي يتجاهل وديعة اسحق رابين رئيس الوزراء الإسرائيلي عند الأمريكان القاضية بانسحاب القوات الإسرائيلية من مرتفعات الجولان والتي تفاوض عليها الأمريكيون مع الإسرائيليين ردحا من الزمن، والتي كانت على وشك التنفيذ لولا بضعة أمتار أصر عليها الرئيس حافظ الأسد حينها. وتخطي الأمريكيون محادثات فاروق الشرع مع باراك في شفردس تاون في أمريكا بإشراف كلينتون.

لذا قرر الأمريكيون من واقع الضعف السوري الحالي، تماما كما هو الحال في القدس، تشجيع الإستمرار في دعم السياسة الأسرائيلية الإستيطانية، ولا مانع أمريكيا من الإعتراف بشرعية الإحتلال الإسرائيلي على مرتفعات الجولان والقدس. ولا مانع أمريكيا من أن تعلن إسرائيل سيادتها المزعومة على مرتفعات الجولان كما فعلت في القدس، بل ستعترف الولايات المتحدة بهذه السيادة المزعومة، ولو كان ذلك على حساب قانون الإحتلال الحربي ومبادئه، ولتذهب اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949  الخاصة بالأراضي المحتلة إلى الجحيم. ولا كانت اتفاقية لاهاي الرابعة لعام 1907 التي تشكل جزءا من القانون الدولي العرفي التي تسري على جميع الدول بمافيها أمريكا وإسرائيل.

سبحان الله، وكأن الإدارة الأمريكية وقبلها الإدارة الإسرائيلية السائلة لعابها لابتلاع الأرض العربية سواء أكانت في القدس أو في الجولان بكل وقاحة وبجاحة تتخيلان أن هذه الأرض خالية ولا يوجد ساكنون فيها، فهم الأولى بها دون غيرهم من بني البشر، ولا بشر سواهم.

ببساطة، قررت الإدارة الأمريكية بجرة قلم أن تطوي وأن تحرق جميع أوراقها وخطواتها وتاريخها السابق، وأن تبدأ من جديد خطوات لتنافق إسرائيل وقيادتها المتهمة بالفساد، بل لتتدخل في الإنتخابات الإسرائيلية بشكل وقح وصلف، وتقدم لها هدية انتخابية لتفوز بالإنتخابات الإسرائيلية القادمة. ومن هنا يفهم جولة ليندسي غراهام الأخيرة لمرتفعات الجولان.

تماما مثل ما حدث مع مدينة القدس العربية، حينما قررت الإدارة الأمريكية الجديدة نقل سفارتها من تل أبيب إلى القدس الغربية المحتلة في حي أرنونا في تل بيوت. فبعد عقود زمنية عديدة تزيد عن خمسة عقود، قرر الرئيس الأمريكي تطبيق القانون الأمريكي لعام 1995 بعد تأجيلات لأكثر من أكثر من عقدين زمنيين. وبذا وحدت الإدارة الأمريكية الجديدة، سياستها تجاه أرضين عربيتين محتلتين، وساوت بينهما في السياسة الأمريكية الجديدة، بحيث أخضعتهما للسيادة الإسرائيلية المزعومة.

وهكذا قذفت الإدارة الأمريكية لسلة المهملات بقرار مجلس الأمن رقم 242 و338 ، واعتبرت أن الأراضي المحتلة لعام 1967 لم تعد محتلة، وبالتالي هي أراض إسرائيلية وفق فهمي البسيط، حيث توقفت الإدارة الأمريكية عن استعمال وصفها بأنها أرض محتلة. فإذا لم تعد أرضا محتلة فماذا تكون وبخاصة في ظل اللغط الذي يقوده نتنياهو وليكوده بأن هذه أرضا إسرائيلية وفق القانون الذي سنه الكنيست، تماما كما حدث مع القدس العربية. يحلم الإسرائيليون بنظرية مزعومة تقضي بفراغ السيادة لسلب حقوق السيادة الفلسطينية على القدس العربية فقالوا بسيادة فوقية وسيادة تحتية، أو سلب السيادة السورية من على مرتفعات الجولان بحجة الأمن الإسرائيلي. يهتبلون الفرص والتغيرات السياسية لقضم هنا أو هناك، لا يعوقهم خلق ولا حق..!

تشابه تام بين ضم القدس وضم الجولان. تشابه تام بين الوضع القانوني للقدس العربية ولمرتفعات الجولان السورية. تشريع من الكنيست لضم القدس العربية في الثلاثين من شهر تموز/يوليه من عام 1980، وتشريع لضم مرتفعات الجولان في الرابع عشر من شهر كانون الأول/ديسمبر لسنة 1981. فلسطينيون عربا وسوريون عربا يتم ضم أرضهم بدون حقوق سياسية أو مدنية كاملة بل منقوصة. فلسطينيون عربا  وسوريون عربا يرفضون هذا الضم جملة وتفصيلا ويصرون على هويتهم العروبية.

لم تعد الإدارة الأمريكية بعد وودرو ويلسون، تنصت لمبدأ الشعوب في حق تقرير المصير لا في القدس ولا في الجولان. فهل تساءلت وزارة الخارجية الأمريكية عن هاتين البقعتين وعن طبيعتهما ولماذا لم تسر عليهما أوامر السفارة الأمريكية في تل أبيب وكانتا مستقلتين عنها. أين ذهبت اجتماعات القناصل الأمريكيين مع الفلسطينيين من القدس الشرقية وزياراتهم أم أن الأمر لا يغدو سوى حفل علاقات عامة تديره الإدارة الأمريكية؟!

ألم تنصت الإدارة الأمريكية لصيحات السوريين الجولانيين من سكان مرتفعات الجولان حينما رفضوا استعمال الهويات الإسرائيلية؟ أولم يستمعوا لصيحاتهم مع أقربائهم خلال الجدار الذي يفصلهم؟ أولم يعرفوا أن طلابهم يغادروا من الجولان وإليه؟ أولم يشاهدوا مظاهر التأييد الجولانية للدولة السورية؟ أولم تنصت الإدارة الأمريكية لأصوات دول أخرى برفض الخطوة الأمريكية بالإعتراف بضم القدس، أو بنقل السفارة الأمريكية للقدس، أو بالإعتراف بالقدس عاصمة للدولة الإسرائيلية، ألا تتعظ الولايات المتحدة من ممارساتها، فلماذا تعيد الكرّة في الجولان المحتل؟

صحيح أن الولايات المتحدة وإسرائيل تزخران بقوة عسكرية قل مثيلها، لكنهما تفتقدان للمشروعية الدولية في موضوعي القدس والجولان. وحتى يكون عملهما في المنطقتين مشروعا لا بد أن يقتفي خطوات القانون الدولي، وإلا لبطلت إجراءاتهما وانعدمت ولو رافق ذلك كل مظاهر القوة العسكرية، فهي لن تخلق حقا ولن تكسب مشروعية.

الإحتلال الإسرائيلي للقدس والجولان من أطول الإحتلالات الحديثة زمنيا رغم محاولات تجميلهما، فالسيادة عليهما باقية للفلسطينيين وللسوريين وسيبقيا أراض محتلة مهما طال الزمان أو قصر. وجميع إجراءات المحتل الإسرائيلي باطلة ومنعدمة في كليهما فهي تخرق حقوق الشعوب ومواثيقها وقد تأخرا كثيرا لأن الكلاب النباحة نادرا ما تعض..!

* الكاتب محاضر في القانون في جامعة القدس ورئيس مجلس الإسكان الفلسطيني. - ibrahim_shaban@hotmail.com