2019-03-11

حكومة الواقع الجديد..!


بقلم: فراس ياغي

د. محمد إشتيه مهني وذو فهم مؤسساتي وهو من الجيل القادر على مواكبة مفاهيم الحداثة وعصر الديجتال مرتبطا بالحق الوطني الثابت للشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة، لكن السؤال المطروح الآن، هل مشاكلنا وهمومنا بقدرة د. اشتية على ايجاد الحلول لها؟! وهل المهنية والوطنية هي الدواء للداء المُستفحل؟!

أعتقد جازما ان الازمة أكبر بكثير من مسألة نوعية رئيس الحكومه المطلوب او طبيعتها او برنامجها، فالازمات متعددة، تبدأ بالصراعات الفتحاوية الداخلية وتمرُّ بالانقسام الذي يتحول تدريجيا لإنفصال، وبقرصنة أموال المقاصة، ولا تنتهي فقط بمشروع الادارة الامريكية بفرض حلول لا تتماشى بالمطلق مع القانون الدولي وتتناقض بشكل صارخ مع الحد الادنى للحقوق الوطنية للشعب الفلسطيتي.

 ورغم أن الحكومة ولايتها وسلطتها القانونية لا تتجاوز المناطق المسماة جورا بمناطق "أ" سوى ببعض الصلاحيات المدنية في مناطق "ب" إلا أن مجرد وجود أزمة مالية تم إفتعالها وفقا للخطة الأمريكية لفرض شروطها على الشعب الفلسطيني، تؤكد أن القادم أكبر من الإمكانيات والقدرات في ظل تلك الأزمات المتعددة.

حكومة د. إشتيه التي سيشكلها تعكس مفهوم ضيق للتعامل مع الواقع الفلسطيني المتردي لأن النظرة إليها ستكون وفق مقاييس حزبية وفئوية، خاصة من الطرف المسيطر بأمر الواقع على غزة، وهذا سيؤدي بالضرورة لتعميق الإنقسام أكثر وأكثر بعد أن تم حل المجلس التشريعي الذي كان يشكل رمزيا وحدة جناحي الوطن، ومن جهة أخرى فإن تشكيل الحكومة بدون تفاهمات مع الاطراف الفلسطينية الفاعلة والتي حضورها الجماهيري أعمق بكثير من نظرية التجاهل القائمة والتي تضع أصحابها في مفهوم حتى نكران الذات، ستؤدي حتما إلى معضلة في إجراء الانتخابات كنقطة مركزية في كتاب التكليف وأنها أحد الاسس الجوهرية في برنامج وعمل الحكومة القادمة.

يبدو أن آفاق المستقبل ذاهبة أكثر نحو سياسة التفكك بعد أن إنتهت عملية سياسة الاحتواء التي إستمرت حتى العام 2005، حيث انطلقت عملية التفكيك المجتمعي والفصائلي الفلسطيني منذ الانقلاب الاسود عام 2007، والسيطرة على غزة بقوة السلاح، كما أن التفكيك الجغرافي بين غزة والضفة إنتقل لاحقا إلى تفكيك في الوحدة الجغرافية الواحدة بعزل قلب الضفة الغربية، القدس، بمقدساتها ومحاصرتها وما يجري من تهويد متسارع لها تُوّجَ بنقل سفارة الولايات المتحدة واعتراف ادارة البيت الأبيض بها كعاصمة لدولة الاحتلال، وأثناء ذلك كانت تجري بقوة عملية التدمير والتفكيك الذاتي للحركات والمؤسسات الفلسطينية لدرجة عزوف الجمهور عنها بحيث وصلت نسبة الشباب التي ترفض الحزبية والتأطير بداخلها إلى أكثر من 75% منهم.

أمام كل ذلك فإن ما جرى من تكليف لتشكيل حكومة جديدة ليس سوى محاولة للإلتفاف على جوهر الأزمة، بل الأزمات، والتي حتما ستؤسس للإنفصال أكثر من قدرتها على تحقيق ما ورد في كتاب التكليف، فالإنتخابات أصبحت أقرب لأن تحصر في الضفة فقط منها في الوطن ككل، والإنقسام سيتعمق لأن الحكومة خرجت من باب الفردية لا من باب التوافق او كنتيجة لوحدة وطنية، وفوق هذا كله الأزمة مع الاحتلال في الضفة ستتصاعد مع طرح خطة ترامب إضافة إلى عدم توفر الحلول للأزمة المالية التي ستتعمق بالتوازي مع الحلول التصفوية القادمة.

"ليس بالخبز وحده يحيا الانسان" جملة د. إشتيه ردا على الابتزاز الامريكي-الاسرائيلي، لكن بدون غزة لا معنى واقعي وعملي لهكذا توجه، فقط بوحدة الجغرافيا والوحدة الوطنية يمكن المواجهة وتحمل الاعباء، وغير ذلك سيبقى أمنيات إذا كانت النوايا حسنة في الأصل.

* كاتب فلسطيني يقيم في رام الله. - Firas94@yahoo.com