2019-03-01

كُتّاب وموسيقيون وفلاسفة فقراء..!


بقلم: د. أحمد جميل عزم

انشغل جزء من الرأي العام الأردني هذا الأسبوع بالتناقض بين أنباء حفل لتكريم ما أسمته صحيفة عربية “نجمات عربيات مثيرات للنقاش”، واستحضرت قصص فنانين جادين لهم حضور تاريخي في الأردن، عانوا المرض والعوَز.

قبل نحو عشرين عاماً جلستُ في عمّان مع ناشر للكتب، حاول إهدائي كتاباً دينياً من عدة مجلدات، وقال ليقنعني بقبوله إنّ شخصا من دولة عربية منحه مبلغا ضخما مقابل طباعة الكتاب وتوزيعه مجاناً للناس (وهو من التراث القديم).

قبل أسابيع كتبتُ عن كارل ماركس، الذي غيرت أفكاره العالم والتاريخ، وكان يعاني الفقر لدرجة أنّه رهنَ ملابسه في لندن، وأن مما أنقذه صديقه الثري، إنجلز. وربما يمكن تذكر أيضاً حالات مثل الموسيقار النمساوي الشهير، موزارت (1769 – 1791)، الذي اشتهر بما سمي “رسائل التسوّل”، فهذا الموسيقي الذي ما تزال موسيقاه تتصدر ما يسمعه، ويعزفه، البشر حتى الآن، كان يرسل لأصدقائه رسائل يطلب منحه أو إدانته مبالغ قليلة. وبحسب هذه الرسائل (الموجود نسخ منها في متحفه) يتضح أنّه ليسافر من مكان لآخر احتاج لمساعدة، وأنّ عائلته تركت بيتها بسبب نقص المال 11 مرة على الأقل. لكن أبحاثا حديثة، كشفت أنّ صورته الرومانسية كعبقري فقير ليست دقيقة. والواقع أنّ بيته في فينا الذي تحول الى متحف يثبت هذا، فهو يحوي سبع غرف، وفيها ممتلكات مثل طاولة بلياردو، والتكهنات تتراوح بين بذخه الشديد في حياته، أو أنّه كان مقامرا.

هناك قصص أخرى موثقة. فربما يكون تشارلز ديكنز (1812 – 1870) أهم روائي أوروبي وبريطاني، وقد صدر نهاية العام 2017، فيلم سينمائي بعنوان “الرجل الذي اخترع عيد الميلاد (الكريسماس)”، يوثّق كيف كان ديكنز مولع بتوثيق حياة الفقراء، وبمساعدتهم أيضاً، ويتطوع في ملاجئ الأيتام، وكان مولعا بالعائلة الكبيرة، فأنجب عشرة أولاد وبنات، وكان أيضاً يريد شقة فاخرة كبيرة. وبعد أن نجحت روايته “أوليفر تويست” وحققت له دخلا جيدا أنفق كل شيء، وفشلت ثلاثة كتب لاحقة له، فأصبحت العائلة في ضائقة كبيرة، ويرفض الناشرون منحه أي أموال على كتبه سلفاً، قبل بيعها، بل يطالبونه بدفع تكاليف النشر. وهكذا يجد نفسه يريد أن يكتب قصة عن الفقراء في عيد الميلاد، متذكرا حياته عندما سجن والده بسبب الديون، وعمل وهو طفل، في مصنع، حيث أهين بشدة من زملائه ورؤسائه. وأخيرا يستدين من مُرابٍ ليجد مالا لطباعة الرواية، وللدفع لرسّام ليرسم لوحات فيها، وتصدر الرواية قبل عيد الميلاد وفيها دعوة للاحتفال ومساعدة الفقراء ليحتفلوا بالعيد، وتنجح نجاحاً باهراً مالياً وأدبيا، وتليها أعمال ناجحة مثل “قصة مدينتين”.

فلم آخر صدر العام 2018، بعنوان “هل يمكن أن تسامحني يوماً؟”، يتناول حياة لي إزرائيل (1939 – 2014)، الكاتبة الأميركية، التي كانت أيضاً معروفة وناجحة، لكن لا تحقق دخلاً مالياً، ويُظهِر الفيلم كيف تشمئز من حصول كُتّاب منافقين سياسياً، وشخصيات فنية، على ثروات فيما هي جائعة ومعرضة للطرد من منزلها لأنها لا تدفع الإيجار، وتدمن الكحول، قبل أن تبيع رسالة اعتذار جاءتها يوماً من كاتبة أخرى معروفة ماتت. ثم تتجه لتزوير رسائل من كتاب ميتين تدّعي أنها أرسلت لأشخاص عديدين. وإحدى اللاتي اشترين الرسائل كانت تتساءل بكم ستباع رسائل إزرائيل نفسها بعد وفاتها. وطبعاً الرسائل حتى لو كانت مزورة عكست قدراتها ومعارفها الموسوعية في الأدب والأدباء، وبراعتها في الكتابة، وكان كل ما تريده الحصول على تكاليف العلاج، والطعام، والسكن، وأخيرا اكتشفت وحوكمت.

إذا كان الناشر سالف الذكر الذي يأخذ عشرات آلاف الدنانير لترويج إيديولوجية مذهبية محددة، استفاد من شخص له أجندة، أو رسالة، سياسية وفكرية، فإنّ كُتّابا ومثقفين ينخرطون في أجندات سياسية وإعلامية حققوا ثراء. ولكن أيضاً هناك من استطاع الموازنة بين الفن والإبداع والحياة الكريمة، فالفن والنشر يمكن أن يكون صناعة وإبداعا في آن. فمثلا أغلب إبداعات عمر خيرت هي موسيقا تصويريه لأفلام ومسلسلات، وكان محمد عبدالوهاب معروفاً بمدى حذره في إدارة حياته المالية، بينما هجر آخرون الكتابة أو الفن وفتحوا مطاعم أو مصالح تجارية.

* مدير برنامج ماجستير الدراسات الدولية في معهد ابراهيم أبو لغد للدراسات الدولية في جامعة بيرزيت. - aj.azem@gmail.com