2019-02-14

مؤتمر وارسو.. ما بين القطار الأمريكي وسفينة نوح..!


بقلم: د. عمر رحال

أي بحث لمستقبل الشرق الأوسط واستقراره، لا يمكن له أن ينجح إلا بإنهاء وحل الصراعات في الإقليم، وفي مقدمتها الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، حلاً عادلاً يضمن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. فمؤتمر وارسو ذو الهندسة الأمريكية بشكله الحالي هو التفاف على قرارات الشرعية الدولية، بل هو بمثابة إعلان حربٍ عليها، وعلى مقررات القمم العربية المتعاقبة، وهو مكافأة لدولة الاحتلال على احتلالها للأراضي الفلسطينية والعربية حين يحل الثواب مكان العقاب، وهو أشبه ما يكون بقفزةٍ في الهواء، وشكل من أشكال التخبط السياسي لإدارة الرئيس ترامب، وإن بدا للبعض أن ذلك يأتي في سياق إستراتيجية أمريكية لتصفية القضية الفلسطينية. والضغط على الشعب الفلسطيني وقيادته السياسية للقبول بالحلول الأمريكية التي لا تلبي الحد الأدنى من تطلعات الشعب الفلسطيني المشروعة، فهي تبقى محاولات بائسة ويائسة من قبل الإدارة الأمريكية لن يكتب لها النجاح. متمثلة باتخاذ مزيد من المواقف والإجراءات والسياسيات.

هذا المؤتمر بمثابة ضوء أخضر جديد من قبل الإدارة الأمريكية لدولة الاحتلال للإمعان أكثر في انتهاكاتها وتنكرها لحقوق الشعب الفلسطيني واقتراف المزيد من الجرائم والتغطية عليها وحمايتها في المنظمات الدولية وطمأنه لها بضمان تحصينها من العقاب. فأمريكا تريد أن تستميل العالم من خلال المؤتمر لكي يشكل أداة ضغط على الفلسطينيين أولاً، المؤتمر ببساطة هو حلقة جديدة في سلسلة مؤامرات تقودها الولايات المتحدة وتمثل مرحلة جديدة في شكل علاقتها مع السلطة الوطنية الفلسطينية قوامها الأزمة، أزمة بين الطرفين مرشحة للتصعيد، وهو ما يفسر تزامن هذا المؤتمر مع قطع كل أشكال المساعدات الأمريكية المقدمة للفلسطينيين التي كانت تقترب من المليار دولار في أوجها.

تبدو الولايات المتحدة كما لو أنها تريد بأي شكل من الأشكال أن تقحم إيران باعتبارها (عدوة) العرب، وأن إسرائيل دولة جارة محبة للسلام، في استبدال للتاريخ والمنطق، من الطبيعي أن نتحاور مع إيران على طاولة مستديرة استناداً لمصالح كل طرف وتطلعاته، فإيران والعرب يعيشون كجيران منذ قديم الزمن بعلاقة تتصف ما بين المد والجزر، ومن الطبيعي أن تكون المصالح هي المحدد للعلاقة بينهم كأي علاقة ندية طبيعية، ولكن غير الطبيعي القبول في دولة زُرعت في قلب الوطن العربي لضرب ومنع قيام أي مشروع نهضوي عربي، دولة تحتل بالقوة أراضي الغير وتدير الظهر للشرعية الدولية وللمجتمع الدولي، دولة عنصرية استعلائية، شكّل احتلالها للأراضي العربية سبباً رئيساً لعدم الاستقرار في الشرق الأوسط ولمزيد من الصراعات والحروب هو بسبب استمرار احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية والعربية وتهديداً للسلم والأمن الدوليين الذين ما قامت الأمم المتحدة وفق ميثاقها إلا لحمايتهما.

في الماضي كثر الحديث عن الفرص الضائعة، وعن الفرصة التاريخية التي يجب ألا تضيع هذه المرة، فكان القرار الفلسطيني في العام 1991، أن الوقت مناسب أكثر من أي وقت مضى للصعود بالقطار الأمريكي، للوصول إلى المحطة السلام بسلام، وذلك خوفاً أن يتجاوزنا، وإضاعة الفرصة التي قد لا تتكرر، فالعرب ضمنوا مقاعدهم، وينتظرون لحظة الانطلاق، لقد كان الأمر بالنسبة للقيادة الفلسطينية أشبه ما يكون بسفينة النجاة التي قادها سيدنا نوح لكن الزمن من أثبت أنها الطوفان بعينه.

ما بين مؤتمر مدريد ومؤتمر وارسو ملاحظتين، الأولى أن الذهاب إلى مدريد كان بدعوة من الولايات المتحدة للفلسطينيين، وإن كانت على (مضض)، وباشتراطات إسرائيلية، في مقدمتها ألا يكون أي عضو في الوفد من منظمة التحرير الفلسطينية أي تغييب للخارج، وألا يكون من القدس لما للقدس من رمزية في الصراع، وأن يكون التمثيل الفلسطيني ضمن وفد أردني فلسطيني مشترك وبرئاسة أردنية، وقد كان لإسرائيل ما أرادت فقد شُكل الوفد من شخصيات فلسطينية من الضفة الغربية  وقطاع غزة.

أما الملاحظة الثانية هي أن دعوة الفلسطينيين إلى مدريد كانت من منطلق أنهم (شركاء) على أقل تقدير، وأنهم أصحاب شأن في الموضوع. أما في مؤتمر وارسو، فإن الأمر مختلف، فالفلسطينيين مدعوين هذه المرة من قبيل رفع (العتب) فهم كغيرهم مدعوين لحضور المؤتمر دون أي تمايز عن الآخرين أو تأثير حقيقي فاعل، وليسو كونهم شركاء أو أصحاب قضية، لكن هذه المرة مقابلة الاندفاع والتساوق للمشاركة في مؤتمر مدريد في السابق، قابله (لا) فلسطينية كبيرة وقطعية وبإصرار دون خوف أو مواربة للمشاركة في مؤتمر وارسو.

إبان مؤتمر مدريد انقسم الفلسطينيون بين مؤيد ومعارض وهو الانقسام الذي ما زال يلقي بظلاله حتى اللحظة، أما المشاركة في مؤتمر وارسو فقد كان هناك إجماع فلسطيني من المعارضة والموالاة أن لا مقايضة على الثوابت، وأن لا مزيداً من الثقة بالولايات المتحدة، في صحوة وإن كانت متأخرة، فالذي رفض المشاركة اليوم في مؤتمر وارسو بقناعة مفادها أن الولايات المتحدة لم تعد صالحة لقيادة الدفة وأنها ليست وسيطاً نزيهاً، وأنها لا تملك كل أوراق الحل، هو نفسه الذي قال أن عدم المشاركة في مؤتمر مدريد عام 1991 يعتبر من قبيل الخطأ الاستراتيجي باعتبار ذلك (فرصة)، ذاك أنه ليس بالضرورة أن تكون كل وسائل المواصلات بنفس الجودة والسرعة، فقطار الولايات المتحدة المتهالك لا يشبه بأي حال من الأحوال سفينة سيدنا نوح. فلا نجاة لمن يركب بالقطار الأمريكي من الفلسطينيين والعرب.

أتفهم كمواطن خوف القيادة وقلقها المشروع من أن يكون هناك بديل أو متحدث أو ممثل، وقد يكون. ولكن الذي لا يمكن أن يكون له وجود هو أي شخص يحاول أن يتجاوز الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، فعلى مدار التاريخ الفلسطيني لم تنجح قوى الاحتلال والاستعمار والضم والإلحاق في أن تمرر مشاريعها، وإن وجدت بعضاً من الفلسطينيين كأدوات لها سرعان ما سقطت في حركة التاريخ واندثرت، واليوم لا وجود لهم. فمن المهم أن ترتقي القيادة لحجم التطلعات والتضحيات للشعب الفلسطيني، فالرهان على الشعب الفلسطيني هو نقطة ارتكاز مهمة للقيادة الفلسطينية لمواجهة الصلف الإسرائيلي ولربما هذا رهان تبادلي، فالشعب أيضاً يراهن على استمرار صمود القيادة وأن لا تلدغ من الجحر الأمريكي مرتين.

هناك ثلاثة دروس على الفلسطينيين أن يتعلموا منهما، الدرس الأول أن الولايات المتحدة ليست حيادية أو  جادة، أو معنية بحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي كما كانت تؤمن القيادة الفلسطينية، حتى وقت قريب. والدرس الثاني أنه بالإمكان أن نقول (لا)، وأن لا نكون شهوداً أو أدوات، والدرس الثالث تغيير أدواتنا وأساليبنا التفاوضية والتكتيكية، وحتى الوجوه القديمة التي تعمل أيضاً بأدوات قديمة، بعد أن خبرت إسرائيل ومعها أمريكا سقف تطلعاتنا المتدنية.

تمضي الولايات المتحدة اليوم أكثر من أي وقت مضى في فرض الحلول والإملاءات والإجراءات والسياسات، صحيح أنها دولة عظمى، ولكن عظمتها لا تعني أنه باستطاعتها أن تلغي شعباً من الوجود. وذاك تحدٍ يتطلب توحيد الجهود الفلسطينية وترتيب الأوضاع الداخلية، وبناء شراكة سياسية وإستراتيجية وطنية موحدة. وعلى الرغم من إعجاب البعض بمدنية وحضارة وديمقراطية الولايات المتحدة، إلا أن التاريخ لم يسجل يوماً أنها كانت نصيراً لشعب محتل أو مستضعف، أو أنها تقف إلى جانب حركات التحرر، وتدعم استقلال ووحدة الأراضي للدول، تاريخها مليء بدعم المتمردين، وإسقاط الأنظمة، واحتلال الدول، واغتيال قادتها، والعبث في الشؤون الدولية، ونهب خيرات الأمم وثرواتها، ودعم المحتلين، والتدخل بشؤون الدول.

النقطة الأساسية لأي مؤتمر وأي لقاء ينتقص من الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني التي أكدت عليها قرارات الشرعية الدولية منذ عصبة الأمم ولغاية اللحظة لا يعني لنا شيء. بل لا يساوي الحبر الذي كتب به، فللتذكير فإن نتائج مؤتمر وارسو لن تكون أفضل حالاً عن نتائج مؤتمر جنيف للسلام عام 1973 الذي عقد بمعزل عن الفلسطينيين، فمنظمة التحرير الفلسطينية كانت وما زالت هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وأن إنهاء الاحتلال وتمكين الشعب الفلسطيني من إقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني وعاصمتها القدس وعودة اللاجئين، هي ضمانة للسلم والأمن الدوليين. وعكس ذلك فإن نتائج المؤتمر لا تعنينا.

* محاضر جامعي وناشط مجتمعي- رام الله. - omarrahal98@hotmail.com