2019-01-06

تسريب العقارات في القدس.. رهانات صهيونية خاسرة


بقلم: محمد أبو شريفة

تناولت وسائل الإعلام المختلفة في الآونة الأخيرة مسألة مهمة جداً تتعلق ببيع عقارات المقدسيين للمستوطنين اليهود أو ما يطلق عليه تسريب العقارات.

وللحقيقة، لابدّ من توضيح بعض المسائل المهمة المتعلقة بالموضوع، وعلى رأسها أن الاحتلال الإسرائيلي في حد ذاته أكبر عامل من عوامل اللصوصية والسرقة والاغتصاب ووضع اليد بالقوة على ممتلكات المقدسيين، أما البحث عن مسوغات قانونية فما هو إلا محاولة للتضليل والتعمية على معطيات الواقع، فسلطة الاحتلال غير القانونية تحاول بمفعول رجعي رسم معالم الحدث باعتباره حدثاً مشروعاً بالمكان والزمان ويمتلك صفة قانونية، بينما يتناسى البعض أن الكيان الإسرائيلي هو من يحتل القدس والقانون الدولي لا يجيز له إحداث تغيير على المنطقة المحتلة، وتالياً فإن أي عملية بيع للاحتلال ومؤسساته تعدّ باطلة وغير قانونية بحكم القانون الدولي، حيث لا يجوز قانونياً للمحتل الصهيوني، القيام بشراء أي عقار.

وللانتقال إلى تفاصيل موضوع تسريب العقارات لابد من الإشارة إلى أن إجراء عملية البيع من القلة القليلة من المقدسيين كانت تتم لطرف مقدسي آخر عربي فلسطيني، وهذا البيع من حيث المضمون أخلاقي وقانوني ولا غبار عليه، فمن حق أي مالك، إن اقتضت الضرورة، أن يبيع ما يمتلكه من متاع أو عقار، وللتأكيد فإن الثابت لدى المقدسيين أنهم لا يمكن أن يبيعوا عقاراً ليهودي حتى لو قدم له أضعاف ثمنه الحقيقي، وحسب متابعين، فإنه وبعد عمليات البيع بمدة زمنية يظهر أن بعض المشترين للعقارات من المقدسيين هم مجرد سماسرة وعملاء للاحتلال، ويعملون بتوجيه مباشر من أجهزة الأمن الصهيوني، وبناء عليه يتضح أن إجراءات البيع اتخذت الصفة القانونية من حيث الشكل، ولكنها تمت بوسائل المكر والخداع من حيث الجوهر، ولو كان المقدسيون متساهلين في هذه المسألة، فإنه يمكننا القول: إنهم كانوا سيضعفون أمام الإغراءات الصهيونية، ولجؤوا حينها إلى بيع عقاراتهم منذ عقود طويلة، وهذا ما لم يحدث على الإطلاق، وهذا دليل على أن المقدسيين أكبر وأصلب مما نتصور، وأنهم يعون خطر المشروع الصهيوني لتهويد القدس، وأن تكون خالية من العرب غير اليهود في العام 2020، ومن الواضح أن المشروع يتجه نحو الفشل بسبب صمود أهل القدس وحجم وجودهم الذي يشكل نحو 40% وفقاً للإحصاءات، وهذه النسبة تقلق أرباب المشروع الصهيوني.

لقد تعددت وسائل الاستحواذ والسيطرة الصهيونية على أرجاء ومناحي المدينة المقدسة، وأقذر السبل لإتمام عملية البيع هو شراء سماسرة عرب وفلسطينيين، ومن الواضح أنهم يحظون بغطاء نوعي يمنعهم من المساءلة القانونية، ولديهم الصلاحيات اللازمة لنقل ملكية المنازل العربية إلى جمعيات استيطانية صهيونية، ليتم بعد ذلك تهويدها وفقاً للقوانين الإسرائيلية العنصرية، كقانون أملاك الغائبين وقانون التنظيم والإدارة في القدس.. وغيرها من الأساليب الاحتلالية الماكرة للاستيلاء على العقارات، كالمصادرة لمزاعم واهية، من قبيل ما يسمى المصلحة العامة، أو مزاعم أنهم يستأجرون ويملكون العقار قبل العام 1948، أو شراء أملاك الكنيسة الأرثوذكسية من خلال الخلافات القائمة بين الوطنيين الأرثوذكس والنخبة اليونانية، فضلاً عن ذلك اتباع سياسة هدم المباني للتضييق على الوجود الفلسطيني في المدينة، وعدم السماح لهم بالعيش حياة طبيعية خوفاً من التمدد الديموغرافي الذي يتناقض مع الرؤية الصهيونية المتبعة في القدس التي تسعى لإنهاء الوجود العربي وتكريس الوجود اليهودي ليكون أكثر عدداً وعدة في قادم السنوات، وقد هدم جيش الاحتلال الصهيوني منذ عام 1967 وحتى الآن نحو 2000 منزل، وبسبب الهدم التعسفي تشرد نحو عشرة آلاف مقدسي.

وتزامن الهدم مع جملة من الإجراءات الظالمة التي تعوق إصدار تراخيص البناء للفلسطينيين في القدس، وفي الوقت ذاته تشرع إسرائيل بتوسيع المستوطنات على أراضي القدس، ومنحها تراخيص بناء آلاف الوحدات السكنية، إضافة إلى استمرارها في عمليات الحفريات والتجريف تحت المسجد الأقصى وفي محيطه بزعم اكتشاف آثار عبرانية تثبت مكان الهيكل المزعوم.

ومن نافل القول: إن تكريس العمل على تسريب وتهويد العقارات بأنواعها المختلفة وهدم المنازل الفلسطينية يعد أولوية لدى الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، فلم تتوقف حكومة اليمين المتطرف الحالية عن مسعاها، وذلك لفرض أمر واقع جديد في القدس، حيث تعمل على إثبات حقيقة مشروع غلاف القدس التهويدي والذي يهدف في النتيجة إلى طرد الفلسطينيين العرب واستجلاب أكبر عدد من المهاجرين اليهود بغرض خلق أمر واقع ديموغرافي احتلالي صهيوني جديد في القدس.

إذاً، لماذا تقوم وسائل الإعلام المختلفة بين الحين والآخر بتضخيم الحديث عن تسريب كبير للعقارات في القدس، مع العلم أنه تم تسريب 44 منزلاً منذ عام 2014 وحتى بداية تشرين الأول 2018 في البلدة القديمة في القدس وبلدة سلوان، وذلك وفقاً لمركز "معلومات وادي حلوة"؟.. على الأرجح أن هنالك تقاطعات ومصالح عديدة لأطراف متعددة تلجأ إلى تضخيم هذا العنوان.

على صعيد الاحتلال الصهيوني فإنه يلجأ إلى هذا التضخيم لأسباب عديدة متنوعة،أهمها كسر الصلابة المقدسية وبث الوهن في صفوف المقدسيين عبر البنية النفسية والاجتماعية لهم، من خلال تجنيده بعض ضعاف النفوس منهم، واستخدامهم أداة ووسيلة في خدمة الضغط على أهلهم وذويهم، يرافق ذلك الحديث الإقليمي والدولي عما يعرف بـ"صفقة القرن" وخروج القدس من ملف التفاوض، فينشأ لدى المقدسي إحساس بخيبة الأمل والتراجع عن مواقفه المبدئية تجاه الاحتلال،

وتهدف سلطات الاحتلال الصهيوني بحملتها الممنهجة على عقارات القدس إلى تشويه تاريخ القدس كرمز تاريخي للشعب الفلسطيني وللأمة العربية، والقطع معه بما يسهّل السطو ثقافياً ومعرفياً عليها، وتالياً إحكام السيطرة عليها، ويبدو أن العقلية الصهيونية ترى في الهجوم على المكون الحضاري للقدس برموزها الحيوية التاريخية انتزاعاً للمكون من ظروفه السياسية وبنيانه الاجتماعي والظرف التاريخي المحيط، حيث يظهر هذا المكون الحضاري الفاعل معزولاً عن سياقه التاريخي المجتمعي، غير أن تجارب المجتمعات السياسية والثقافية والاقتصادية انبثقت من ظرفها الزماني والمكاني المحددين تاريخياً، بل إن الحضور الديموغرافي التزم قضايا خارجة عن ذاته بعمقها الفلسفي والوجداني، لكن جوهر المباني في القدس ظل اجتماعياً، وفي أحيان كثيرة سياسياً بسبب تعاقب الحضارات عليها بأبعادها الدينية والروحية والاقتصادية والثقافية ..الخ.

وتالياً قضية تسريب العقارات في القدس ليست مقتصرة على ضرورات السلب والسطو فحسب، بل تتعدى ذلك إلى محو التراث التاريخي الفلسطيني وتشويه موقعنا كعرب من التراث برمته وعلاقته الأصيلة بالحاضر.

أما على الصعيد الفلسطيني والعربي، فإن الحديث عن هذا الموضوع يبدو أنه لا يتعدى حدود المناكفات الإعلامية والمزاودات غير المكلفة لكل تلك الأطراف، فالمندد لعمليات البيع بعد تضخيمها يسرد في مزايدات كلامية لا معنى لها، أما المتخوف الحقيقي فإنه لا يلجأ على الإطلاق إلى الإعلام لتضخيم الحدث لكيلا يمس بثوابت الوجود الفلسطيني في القدس، بل على العكس من ذلك فدعم المقدسيين واجب وضرورة، لأن أهم ملامح المجتمع المقدسي تكمن بأن فعله ليس ذاتياً فردياً منعزلاً، وإنما تجسيد لقوة الطاقة الكامنة في الشعب الفلسطيني وفي الشعوب العربية وإرادتهم في مواجهة الغزو الخارجي، فالقدس هي درة وتاج الوجود العربي الإسلامي والمسيحي، وسقوطها يعني سقوط الجميع.

* كاتب فلسطيني. - mohabo00@hotmail.com