2018-12-17

لا لإضطهاد المرأة


بقلم: عمر حلمي الغول

يثار بين الفينة والأخرى موضوع المرأة وحريتها، ومساواتها بالرجل، وحقوقها، والربط بين القوانين الوضعية والدينية، والميراث ونصيبها، ونصيب أشقاءها الذكور وغيرها من القضايا ذات الصلة. رغم أن القانون الأساس الفلسطيني، ووثيقة إعلان الإستقلال نصا بشكل واضح وصريح على مساواة المرأة بالرجل، ورفضت أي تمييز ينتقص من مكانتها ودورها داخل الأسرة والمجتمع على حد سواء. غير ان بعض الإتجاهات والمدارس الدينية والوضعية تنحو بإتجاه معاكس، وتحاول التشويش وإلقاء بعض الضبابية على تطبيق القوانين، أو حرف الحوار عن الإتجاه الصحيح، وتتباين إن لم أقل تتناقض مع الخيار الفلسطيني العام للنظام السياسي، وما أقرته المؤسسات والهيئات الأممية لصالح المرأة وحقوقها.

المرأة الفلسطينية شريك أساس في بناء المجتمع، وكانت ومازالت جنبا إلى جنب مع الرجل في ميادين الكفاح الوطني، وفي حقول العلم والمعرفة والفن والثقافة والإعلام صنو الرجل، وبزته بتفوقهاعلى أكثر من مستوى وصعيد. وهي كما قال الرئيس ابو مازن في إجتماع المجلس الإستشاري، الذي إنعقد الأحد الماضي الموافق 9 ديسمبر 2018، انها نصف المجتمع، والنصف الأحلى، وايضا النصف الفاعل. وهذا يعني انها لا تقل مكانة وثقلا ومسؤولية عن الرجل، إن لم نقل انها النصف الأكثر عطاءا وعلى الصعد والمستويات المختلفة. وبالتالي ونحن نتقدم قدما نحو تعزيز دور ومكانة المرأة قانونيا وسياسيا وإجتماعيا وإقتصاديا وثقافيا لا يجوز للأصوات المتعارضة مع الوجهة الفلسطينية العامة وضع العصي في الدواليب تحت أي ذريعة. لإن ذلك يسيء لتطور المجتمع والنظام السياسي على حد سواء.

وعلى أهمية الدين في الوعي الجمعي للمجتمع، وما يحمله من إرث ماضوي ، وثقل غير إيجابي فيما يتعلق بحقوق المرأة، غير ان المدارس الفقهية الدينية تجاه المرأة ليست واحدة، وهناك أراء تتناقض مع الصورة السلفية النمطية تجاه المرأة وحقوقها، ومنها ما يطرحه المهندس محمد شحروري السوري، والمدرسة التونسية المحدثة، والمدرسة السودانية ايضا وغيرها من الفرق الحداثوية والمجددة في الفقه والتفسير الأكثر واقعية ومحاكاة للنص القرآني، وتستجيب بذات القدر لتطور المجتمعات البشرية، والتي تتلاقى وتتعاضد معها فيما يتعلق بمكانة وحقوق المرأة في الأسرة والمجتمع، وترفض الغبن الواقع عليها، وتدافع عن حقها في الميراث المتساوي مع الرجل، وفي الإمامة بالصلاة، وترفض سياسة تعنيف المرأة إلآ بمقدار ما ينطبق ويقع على الرجل في المسائل المتعلقة بمخالفة القوانين العامة.

ورغم اني لست معنيا بالخوض في ما تناولته المدارس الدينية، ومع التركيز على القوانين الوضعية، والإهتمام بما حملته، واصلته في العالم عموما والمجتمع الفلسطيني خصوصا، فإن الضرورة تملي على صانع القرار والمشَّرع الفلسطيني التصدي لكل اصحاب وجهات النظر المتعاكسة مع بوصلة المجتمع، والحرص على حماية حقوق المرأة الفلسطينية، وتعزيز مكانتها القيادية في المواقع والهيئات والمؤسسات الرسمية والأهلية، وتجذير مساواتها بالرجل، وتحويل قضاياها المختلفة إلى المحاكم المدنية لترسيخ مكانة القانون المدني في حماية حقوقها، وتنقيحه وتخليصه من كل المواد ذات الصلة بجرائم القتل على خلفية ما يسمى ب"الشرف"، المرتبطة بالموروث الإجتماعي والديني الماضوي، وإستصال ما يتعارض مع حريتها وكرامتها الشخصية والعامة.

إذا حماية مكانة وحقوق المرأة في المجتمع، ومساواتها بالرجل، ورفض اي غبن يقع عليها، أو يستهدف شخصيتها، هو حماية للمجتمع، وإسهام عميق في تطوره، ونقل الوعي الجمعي الفلسطيني خطوة متقدمة لمصاف المجتمعات الراقية، وفي المقابل يسهم في خنق الإتجاهات الماضوية وغير الإيجابية في المجتمع. وعلى الجميع إدراك الحقيقة الراسخة، التي أكدتها تجربة شعوب الأرض كلها: أن لا حرية للمجتمع الفلسطيني دون حرية ومساواة المرأة بالرجل، وبمقدار ما تنهض وتتطور المرأة، بمقدار ما ينهض المجتمع، ويتخلص من الأدران والشوائب العالقة به تاريخيا.

* كاتب فلسطيني يقيم في مدينة رام الله. - oalghoul@gmail.com