2018-11-23

شرعية دولية بلا مخالب..!


بقلم: المحامي إبراهيم شعبان

يردد الفلسطينيون في نزاعهم مع الإسرائيليين بتبسيط واضح وتسطيح مكشوف اصطلاحات كالشرعية الدولية والمشروعية والدولية والقانون الدولي والمعاهدات الدولية كاصطلاحات تساند الحق الفلسطيني بشكل مطلق. ولا يملون من تكرار ذلك صباح مساء وكأن هذه القواعد فعلا قامت بتحرير فلسطين وأعادت للشعب الفلسطيني حقوقه السليبة. ونسي المرددون هؤلاء ان مثل هذه المفاهيم الجميلة والأنيقة والإنسانية تحتاج إلى تطبيق على الأرض، حتى تخرج تلك المقولات، من الإطار النظري إلى الإطار العملي وحتى تصح مقولتهم. وبغير ذلك ستبقى شعارات ورقية وإمكانات قانونية جوفاء تزين بها الجدران واليفط.

مثل هذه الإصطلاحات والمفاهيم لم تخلق للشعب الفلسطيني وحده دون سواه، بل هي مفاهيم عالمية إنسانية حتى تسود العدالة والأمن العلاقات الدولية. ولا جدل أن هذه الدول مختلفة اختلافا بينا وجوهريا في سياساتها ومصالحها بل متصارعة فيما بينها إلى درجة الإقتتال الدموي لاعتبارات مختلفة. وحتى لا ننسى فقد كانت التقديرات أن أكثر من ثمانين مليونا من البشر قضوا نحبهم في الحرب العالمية الثانية. أي أن هؤلاء البشر دفعوا حياتهم ثمنا لهواجس سياسية ونزوات قادة وحكام رغم وجود الشرعية والدولية أو المشروعية الدولية. بل إن هذه القواعد الدولية لم تمنع هؤلاء القادة عن ارتكاب مجازر دموية ذهب ضحيتها الكثير من البشربالملايين.

الكتابة عن ذلك حتى يستفيق البشر أولا من هالة هذه المفاهيم، وحتى يعرف المفكرون أن القانون الدولي والشرعية الدولية والمعاهدات الدولية التي ما انفككنا عن الإنضمام إليها لن تعيد حقا للفلسطينيين رغم وضوح حقهم وجلائه. للننظر لمائة عام خلت، ماذا جلب لنا القانون الدولي لوحده من تحرير أو من حقوق. وماذا جلبت الشرعية الدولية للفلسطينيين من حقوق ويا للاسف، سوى إدراج "وعد بلفور" بإقامة وطن لليهود في فلسطين في صك الإنتداب البريطاني على فلسطين عبر "عصبة الأمم" عام 1922، وفي قرار تقسيم فلسطين عبر "الأمم المتحدة" عام 1947 رقم 181 إلى دولتين واحدة عربية وأخرى يهودية، وما تلا ذلك من إنشاء وكالة الغوث الدولية وبطاقة مؤنها، وقرارمجلس الأمن رقم 242 القاصر لعام 1967. ومئات القرارات المركونة الخاصة بالقضية الفلسطينية الصادرة عن منظمة الشرعية الدولية منظمة الأمم المتحدة وأجهزتها المتعددة. هذه الشرعية الدولية سلبت حقوق الفلسطينيين وانتقصتها وأحيانا أيدتها.

ليس هذا انتقاصا من الشرعية الدولية أو القانون الدولي وأنا من أنصارهما لكن ليسا كأمرين وحيدين دون غيرهما من عناصر القوة المعروفة، لكن المشكلة أننا كفلسطينيين نضع كل بيضنا في سلة الشرعية الدولية ونراهن عليها بل أهملنا غيرها وركزنا عليها، وحدها دون سواها، وهذا خطأ سياسي بدون أدنى شك. الشرعية الدولية تشكل عنصرا من عناصر القوة الفلسطينية وليست العنصر الوحيد للقوة الفلسطينية ولكنها عنصر بدون مخالب فلا تجرح ولا تصعق ولا تعيق. وكأن ليس هناك عناصر أخرى للقوة التي تحترم، بل تجبر الآخرين على احترام الحق الفلسطيني. نحن نجتر هذه الإصطلاحات منذ قرن من الزمان ونيف، فماذا كانت النتيجة؟ تراجعات على كل الصعد بدل أن يحدث تقدم نسبي على الأقل. ليس هذا منطقا سوداويا بل رؤية حقيقية للأمور من متفحص لا تخدعه الألوان والأضواء البراقة وفلاشات التصوير.

ويبدو أن هناك فهما قاصرا للقانون الدولي والشرعية الدولية أو على الأقل فهم غيردقيق له، أو ربما تجاهل لمفهومه الدقيق. فلماذا لا يخشاه نتنياهو وزمرته لحد الآن بل يتعامل معه بأسلوب اللامبالي ويردد أنه ناجح في ذلك للأسف الشديد بل هو يتباهى بذلك، ويخرق كل محظورات القانون الدولي مثل المستوطنات وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، ولم تسعف المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي الأمر إلا ببعض الإحتياطات. وانظروا إلى ترامب وانسحابه من معاهدة المناخ وتعاملاته على الساحة الدولية وضربه عرض الحائط باتفافية قضى سلفه والأوروبيين عامين في المفاوضة حولها مع إيران. من المعلوم أن الفلسطينيين ليسوا بقوة الأمريكيين ولكن يجب التعلم من تجارب الشعوب وخبراتهم.

لو كان القانون الدولي والشرعية الدولية لهما مخالب لما بقيت القضية الفلسطينية ليومنا هذا دونما حل عادل بل لما كانت تحدث اساسا. سواء من وعد بلفور أو بقرار التقسيم أو بكل الشهداء والجرحى الذين فدوا أرضهم وشعبهم بأغلى ما يملكون. القانون الدولي وكل مسمياته يحتاج إلى تطبيق على الأرض وبواقع عملي. تماما كالقانون الداخلي حينما يطبق من الشرطة والمحاكم على خارقي القانون وغيرهم وردعهم. القانون يطبقه بشر، أما القانون الدولي فتطبقه دول ، والدول لها اعتبارات سياسية ومصالح اقتصادية واسترتيجية واجتماعية وأخلاقية وقد تكون دينية أيضا. لذا لن تكون الدول في تطبيقها متفقة على راي رجل واحد بل العكس هو الصحيح. وهذا هو السائد في زماننا وزمن من سبقنا وفي منطقتنا وفي مناطق غيرنا.

وبالتالي لن تنظر الولايات المتحدة للحق الفلسطيني بمنظار الفلسطيني، ومنظور القانون الدولي والشرعية الدولية، بل بمنظار مصلحتها هي ودورها الإستعماري التي ورثته عن بريطانيا. وحتى روسيا لن تنظر للحق الفلسطيني إلا بقدر مصالحها وليس بمنظور الحق الفلسطيني. وقس على ذلك دول الإتحاد الأوروبي والصين والهند والبرازيل والأرجنتين.

لو اتخذنا من القانون الدولي والشرعية الدولية أساسا حقيقيا للعلاقات الدولية لتم ضرب الحصار على إسرائيل بدل قطاع غزة. ولتم قطع الإتصالات السلكية واللاسلكية بين جميع الدول وإسرائيل والعلاقات الدبلوماسية أيضا. ولطردت إسرائيل من الأمم المتحدة وتم تشكيل جيش دولي لإعادة الحق الفلسطيني تماما كما حصل مع الكويت حينما تم احتلالها من قبل صدام حسين عام 1990. لكنها القوة التي لا تعرف حدودا، وجاء القانون على استحياء بكل أشكاله الخارجي والداخلي ليحد من قوتها وحتى يتم تناسي القول المأثور "حينما يتحدث المدفع يسكت القانون".

لن يجدينا نفعا لا قانون دولي ولا شرعية دولية فهي أدوات دولية بدون مخالب لا تردع ولا تخيف، بل نحتاج قوة على كل الصعد تغير ميزان القوى، حتى تصبح المعادلة مختلة لصالح الحق الفلسطيني. أما أن ننام على صوت الطاحون الدولي كما حدث من قرن، فلن نخرج منه سوى بجعجعة دونما أن نرى طحينا ولا شعيرا..!

* الكاتب محاضر في القانون في جامعة القدس ورئيس مجلس الإسكان الفلسطيني. - ibrahim_shaban@hotmail.com