2018-10-30

أين دور المصارف العربية في دعم القدس؟!


بقلم: المحامي إبراهيم شعبان

بعد السابع من حزيران من عام 1967، وقعت القدس العربية تحت براثن الإحتلال الإسرائيلي الإستيطاني. وخضع المواطنون المقدسيون الفلسطينيون العرب لظروف بالغة الصعوبة ودافعوا عن مدينتهم بالروح والمهج. لكن هؤلاء المواطنين تركوا دونما دعم حقيقي في حين فرضت عليهم ضرائب ورسوما عالية بل مرهقة، وفي أحسن الأحوال، دفع لهم الفتات الفتات، ليقوا شر الغزوة الكولونيالية، ورغم ذلك بقيت همتهم عالية، وبقوا على تراب القدس صامدين. وسدت السبل أمام المقدسيين اقتصاديا في وجه أخطار وعواصف لا تعرف للرحمة بابا.

ليس الباب باب مديح وإطراء، لكنه باب حقيقة وصفاء. فالمدينة المقدسة تتعرض لهجمات من الأسرلة المتتابعة، والعرب والمسلمون وأنظمتهم يغطون في سبات عميق. وما زالت الصناديق العربية التي تقدم النزر اليسير تتعامل مع المدينة كأنها تتعامل مع وزارة أو مجلس بلدي في القاهرة أو عمان يعيش وضعا عاديا، ولم تستطع أن تفهم أو تقترب من فهم الوضع الإستثنائي غير العادي بل الكارثي لمدينة القدس العربية. فنحن أمام ظرف استثنائي بكل معنى الكلمة وما تحمله من معنى، تعيشه مدينة القدس صباح مساء. وبالتالي يجب أن تكون الحلول المقدمة من ذات الوضع الإستثنائي الذي تعيشه المدينة لا أن يكون الوضع متثاقلا كسولا يستغرق سنوات من الدراسة والتمحيص والتنفيذ .

في ظل هذا التقاعس المرير والتناقص المستطير من قبل الصناديق العربية والإسلامية للتعامل مع مدينة القدس العربية، كانت النغمة الشعبية منتقدة لهذا الدور الذي لا يرقى لدور الحكومة الإسرائيلية والأثرياء اليهود قيمة وموضوعا وتصرفا حيث كانت تعقد المقارنات. وكانت هذه النغمة الشعبية تطال المصارف العربية والفلسطينية العاملة في الضفة الغربية وقطاع غزة وأثرياء فلسطين وتمدها إلى السلطة الفلسطينية، لتقاعسها عن أن تكون بديلا للدور العربي والإسلامي المالي في دعم القدس. 

في الحقيقة، تخلو أنشطة المصارف العربية والفلسطينية وخارطتها من تقديم شيء لمدينة القدس العربية وكأنها خارج الخريطة الفلسطينية رغم تشبثها بشعار القدس والتغني به. صحيح أنها تمارس انشطة خيرية لأندية أو جمعيات أو بعثات ولكن ليس لأنشطة عمرانية تنموية لمدينة القدس العربية رغم الحاجة الماسة لها وكبرقيمتها.

لقد بلغت تقديرات أرباح المصارف العاملة في فلسطين رغم صغر المكان والنشاط نحو مائة وخمسين مليون دولار أمريكي سنويا يقابلها مبلغ مماثل من أنشطة تجارية كالتأمين والهواتف الخلوية. فكانت الدعوات أنه بدل التباكي على الصناديق العربية ونقدها لماذا لا تبادر المصارف العربية والفلسطينية وأمثالها من دعم مدينة القدس قدر المستطاع بدل الجلوس على مقاعد المتفرجين، وكأن الموضوع لا يعنيهم وكأن القدس ليست عاصمتهم الروحية والسياسية والإقتصادية والأبدية، وكأنها ليست معرضة لخطر داهم.

قد يقول قائل أن دعم مدينة القدس موضوع كبير ولا تقوى عليه مصارف خاصة ولا شركات خاصة ولا مال خاص. ورب قول أن هناك فسادا كبيرا في هذا الموضوع وهو تبديد للمال الفلسطيني. وهناك من يقول أن هذا الأمر ليس مناطا بالبنوك وغيرها من الأثرياء ما داموا يدفعون الضرائب المكلفين بها. هذه الأقوال غير صحيحة البتة وواجبهم المساهمة في الخطة الوطنية الداعمة لمدينة القدس العربية مهما كانت المساهمة صغيرة أو قليلة. بل إن هذه المساهمة على صغرها، ستكون دافعا للغير لمساهمته وإثراء مسيرة الدعم. إن مثل هذه المساهمة ستكون الرد الصحيح والموضوعي على تصرف بعض البنوك المحلية بشكل غير صحيح وغير وطني في القروض الميسرة والمدعومة من البنك الإسلامي للتنمية مؤخرا.

ردا على كل الحجج والأقوال، يمكن للبنوك العربية والفلسطينية أن تشكل صندوقا للتنمية المقدسية برأسمال كبير نسبيا شريطة أن لا يمس رأسمالها بل يقتطع من ربحها وبنسبة ضئيلة لا تزيد عن نسبة عشرة بالمائة. بسهولة بالغة يمكن تأسيس صندوق تنمية فلسطيني برأسمال قدره ثلاثين مليون دولار أمريكي لدعم مدينة القدس. وإذا خشيت المصارف من أي فساد أو بيوقراطية فيمكن لها أن تدير مثل هذا الصندوق ما دامت هي قد أسسته ومولته. وليس في الوارد أن تحتج السلطة الفلسطينية رسميا على عمل هذا الصندوق أو إدارته إلا عبر الدور الإرشادي الإستئناسي.

ويمكن مضاعفة رأسمال هذا الصندوق بتخفيض الحكومة الفلسطينية نسبة الضرائب المجبية من المصارف العربية والفلسطينية. لكن المهم أن لا يتقاضى هذا الصندوق نسبة عالية من الفوائد لأننا أمام مهمة وطنية ولسنا أمام مشروع استثماري. بل يجب أن تعفى القروض المقدسية من أية فوائد على الإطلاق، وتستبدل بخدمات إدارية لا تتجاوز الواحد بالمائة. ولا باس أن تقدم ضمانات عن هذه القروض للبنوك العربية والفلسطينية من الحكومة الفلسطينية أو الصناديق العربية لأن الوضع القانوني للفلسطينيين في الضفة الغربية لا يساعدهم في الملاحقة القانونية للمقدسيين. ومما يؤسف له أن بعض المقدسيين استغلوا هذه النقطة وأخذوا المال تحت ستار التنمية في القدس العربية ولم يسددوا قرشا واحدا للدائنين الذين كانوا إما مصرفا أو صندوقا. ويجب ان يكون شعار الصندوق التنمية وليس الإغاثة، كما رسم عام 1950 من قبل وكالة الغوث، وبطاقة الإعاشة وكرت المؤن.

ومن نافل القول أن الأمر يحتاج لعمل إداري منظم بعيد عن التسييس والحزبية والفصائلية والعشائرية والقبلية، بل تسوده المهنية والحرفية والسرعة والإستثنائية في معالجة شئون القدس العربية التنموية غير الإستهلاكية. وتستطيع اللجنة أن تضع أولويات عمل الصندوق وآلية العمل وكل التفاصيل المتعلقة بالإقراض والضمان. ويجب أن يشدد أن العمل هو إقراض وليس تبرعا وهو بالنهاية صندوق دوار. 

قد يقول قائل، لماذا يناط هذا الدور بالمصارف العربية والفلسطينية؟ أليس أثرياء فلسطين يجب أن يلقى عليهم دور مماثل؟ أليس على شركات التأمين وشركات الإتصالات وكل من هو قادر على دور مماثل عينيا أو ماليا. بالقطع هذا هو القصد والأمل.

التباكي على قلة أموال الصناديق العربية والإسلامية لدعم القدس العربية، يمكن أن يعوضه دعم محلي مالي مصرفي عربي فلسطيني. بل إن تضافر الدعم العربي مع المساندة الفلسطينية المالية المحلية سيخلق أجواء صحية تكاملية تنموية بدل القروض الإستهلاكية فهذا واجب الجميع من صناديق ومصارف وشركات وأفراد وليس واجب واحد..!

* الكاتب محاضر في القانون في جامعة القدس ورئيس مجلس الإسكان الفلسطيني. - ibrahim_shaban@hotmail.com