2018-10-30

موضوعان في زيارة نتنياهو إلى مسقط..!


بقلم: د. أحمد جميل عزم

هناك شقان رئيسيان على الأقل في زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي، يوم الجمعة 26 تشرين أول (أكتوبر)، 2018، إلى العاصمة العُمانية، مسقط، أولهما يتعلق بإيران والثاني بالفلسطينيين. بطبيعة الحال لا يمكن الفصل بين الشقين، ومعناهما من حيث مستقبل الصراع العربي الإسرائيلي، والقضية الفلسطينية.

يبرز الموضوع الإيراني خصوصية العلاقة العُمانية الإيرانية، فهناك تحالف معروف وهادئ بين طهران ومسقط، بدأ زمن شاه إيران ولم يتوقف في عهد "الجمهورية الإسلامية" منذ مطلع الثمانينيات. فالسلطنة أخذت موقفا مختلفا في حرب العراق وإيران في الثمانينيات، فوقفت تقريباً على الحياد، ومن بين أسباب أخرى حرصت السلطنة على هذا الموقف بسبب العامل الجغرافي السياسي؛ لقرب إيران منها. على أنّ الدور العماني بدا أوضح نحو العام 2013 عندما ظهرَ أن مسقط لعبت دوراً في التوصل للاتفاق النووي الأميركي الغربي مع إيران، وهو اتفاق أزعجَ دولا خليجية عربية أخرى. وحاولت السلطنة أيضاً البدء بعملية لحل النزاع بخصوص الجزر الإماراتية التي تحتلها إيران منذ مطلع السبعينيات. وبالتالي فإنّ الزيارة يصعب أن تندرج في مساعي السياسة الأميركية الإسرائيلية، إلى "حلف عربي إسرائيلي"، ضد إيران، بل على العكس، قد تأتي في السياق التقليدي للسياسة العمانية التي تريد الوصول إلى تهدئة تتضمن تطبيع العلاقات الإيرانية مع الإقليم والعالم، بهدف تقليل التوتر. وتتضاعف أهمية الزيارة على خلفية محاولة ترتيب خريطة التفاهمات والعلاقات بشأن الوجود الإيراني في سورية، والمطالب الإسرائيليةبهذا الشأن.

الشق الثاني للزيارة بطبيعة الحال يتعلق بالشأن الفلسطيني، فالزيارة تحدث بعد أقل من عام على قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بشأن القدس، ومع تعثر عملية التسوية السياسية، وانقطاع الاتصالات السياسية الأميركية – الفلسطينية، وتحدث بالتوازي مع ذهاب وفود إسرائيلية رياضية لقطر والإمارات. وهذه الزيارة تحدث بعد يومين من زيارة الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى مسقط.

يقوم الموقفان الفلسطيني الرسمي، والعربي، على أنّ مبادرة السلام العربية، تفترض ويجب أن تتضمن حل القضية الفلسطينية قبل أي تطبيع عربي مع إسرائيل. وعلى الخشية والرفض للمحاولات الإسرائيلية استخدام الورقة الإيرانية، أو فكرة "التطبيع قبل الحل"، لأنّ الإسرائيليين، سيكونون قد حصلوا على مرادهم في القبول الإقليمي، وبالتالي لن يقدموا أي شيء في الموضوع الفلسطيني. ولكن الفلسطينيين لا يأخذون موقفا واضحا ضد مثل هذه الزيارات (ليس زيارة عُمان فقط)، وتتساوى تقريبا في هذا قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، وحركة "حماس"، وذلك لسببين، ففي حالة قيادة المنظمة فتحت اتفاقات السلام الفلسطينية الإسرائيلية، الباب لكسر اعتبار العلاقات مع إسرائيل محرّمة (تابو)، ومن جهة ثانية فإنّ الخشية من التبعات الاقتصادية والسياسية لأي موقف حدّي من هذه الأمور ربما يدخل في حسابات الأطراف الفلسطينية، فمثلا طالب رئيس حركة "حماس" في غزة، يحيى السنوار، وهدد إذا لم يتم تسهيل إسرائيل وصول منحة شهرية إلى"قطاع غزة"، قدرها 15 مليون دولار، دون التوقف عن المعاني الضمنية للتفاهمات القطرية الإسرائيلية في هذا المضمار، أي أنّ هناك تفاصيل و"ضرورات" (من وجهة النظر هذه) تبيح "محظورات" وتسمح بــ "واقعية" الاتصال العربي الإسرائيلي. وهناك شق ثالث، هو عدم الرفض الفلسطيني المطلق للوساطة العربية مع إسرائيل، وهذا يتضح مثلا في الوساطات المصرية والقطرية بين "حماس" والإسرائيليين، ولا يتناقض مع المطالبة الرسمية الفلسطينية بآلية دولية – عربية لرعاية المفاوضات. دون أن يعني هذا أبداً أن الفلسطينيين يقبلون أو يسعدون بتطبيع عربي – إسرائيلي، خصوصاً قبل قيام الدولة الفلسطينية على حدود العام 1967 وعاصمتها القدس.

مجرد الزيارات الإسرائيلية لدول عربية، تشكل مكسبا إسرائيلياً، خصوصاً من جهة توجيه رسالة من القيادة الإسرائيلية للإسرائيليين أنهم غير معزولين، وللعالم أنّه إذا كان العرب ينفتحون علينا، فلماذا تريدون استخدام أدوات المقاطعة، أو الضغط؟ وما يحدث أيضاً يوضح أنّ هناك أمورا كثيرة تجري في كواليس غير معلنة. ربما تأتي هذه التطورات في سياق "التجربة" و"جس النبض" أين يمكن أن تصل إسرائيل؟ وفي سياق متطلبات سياسية لا علاقة لها بالشأن الفلسطيني، ولكن لا شك أن الوقت قصير جداً أمام بلورة تصور عربي وفلسطيني واضح من مجمل هذه التفاعلات، بما يقطع الطريق على مكاسب إسرائيلية مجانية.

* مدير برنامج ماجستير الدراسات الدولية في معهد ابراهيم أبو لغد للدراسات الدولية في جامعة بيرزيت. - aj.azem@gmail.com