2018-09-12

أميركا تهدد النظام العالمي..!


بقلم: عمر حلمي الغول

أثارت محاضرة جون بولتون، مستشار الأمن القومي الأميركي يوم الأثنين الماضي أمام منظمة "فدراليست سوسياتي" المحافظة في واشنطن حول العلاقة مع محكمة الجنايات الدولية الكثير من ردود الأفعال في الأوساط الفلسطينية والدولية، حيث أعلن بشكل فج أنه "في حال إستهدفتنا هذة المحكمة أو إستهدفت إسرائيل أو حلفاء آخرين لنا، لن نقف مكتوفي الأيدي." تابع أن الإدارة الأميركية سترد بقوة من بينها "فرض عقوبات على العاملين في المحكمة." ,اضاف "سنمنع هؤلاء القضاة والمدعين العامين من دخول الولايات المتحدة، سنستهدف أملاكهم بعقوبات في إطار النظام المالي الأميركي، وسنلاحقهم وفق نظامنا القضائي." وهو ما يعني أن اميركا ستلجأ للقرصنة وأخذ القانون باليد، اي أنها ستطبق قانون الغاب.

جاءت المحاضرة المذكورة في أعقاب الإعلان عن إغلاق ممثلية منظمة التحرير الفلسطينية، وإعلان القيادة الفلسطينية عن لجوئها لمحكمة الجنايات الدولية لملاحقة كل من أميركا وإسرائيل للدفاع عن الحقوق والمصالح الوطنية الفلسطينية، ومحاكمة مجرمي الحرب الإسرائيليين على الجرائم، التي إرتكبوها بحق أبناء الشعب العربي الفلسطيني.

وموقف بولتون ليس مفاجئا، ولا يحمل جديدا، لإنه ليس الموقف الأول لإدارة الرئيس دونالد ترامب ضد المنظمات الأممية، ومنظومة العلاقات الدولية. فإنسحبت أميركا من إتفاقية المناخ، وانسحبت من التحالفات والإتفاقيات التجارية مثل الشراكة عبر المحيط الهادي، وفتحت نيرانها على تحالفاتها الدولية في حلف الناتو، ومع دول الإتحاد الأوروبي، وضد روسيا والصين وكوريا الشمالية والمكسيك وكندا وإيران ودول الخليج العربي والمسلمين عموما، وحدث ولا حرج عن ملاحقة الشعب والقيادة والمصالح والثوابت الوطنية الفلسطينية ..إلخ وهو ما يشير بشكل جلي إلى ان الولايات المتحدة في ضوء الأزمات، التي تواجهها داخل البيت الأميركي ومع العالم، ونتيجة تراجع مكانتها الدولية، ومزاحمة الأقطاب الدولية لها على قيادة العالم لبناء صرح نظام عالمي جديد، لم تعد تحتمل التعايش مع واقع الحال العالمي القائم، الذي اسهمت هي في بنائه في أعقاب الحرب العالمية الثانية 1939/1945، مما دفع اباطرة رأس المال المالي أو ما يطلق عليه الحكومة العالمية، صاحبة القول الفصل حتى الآن في رسم ملامح النظام العالمي إلى دفع الإدارة الشعبوية بزعامة ترامب إلى الشروع بهدم جدران مركبات النظام الدولي حتى لو أدى بها ذلك لشن حرب عالمية ثالثة لإستعادة زمام الأمور، والسيطرة على العالم وفق أجندتها ومصالحها.

وكان شاك هاغل، وزير الدفاع الأميركي زمن باراك أوباما (الرئيس السابق) أعلن في تصريح لصحيفة “Lincoln Journal Star” أن " الولايات المتحدة والعالم دخلا سنة حاسمة، سنة من التقلب وعدم اليقين والخطر الكبير". نتيجة السياسات، التي ينتهجها الرئيس ترامب، وقال أنه "يقسم عمدا البلاد والعالم." عبر الخلط المتعمد للأوراق والخروج من المنظمات والإتفاقات الدولية، وإفتعال الأزمات مع دول العالم ككل، وخلص هاغل إلى النتيجة الأهم، حيث أكد ان العالم ماض إلى التغيير، وأن زعامته تتجه نحو التغيير ايضا نتيجة سياسات ترامب وإدارته الفاشلة. واضاف "هناك نظام عالمي جديد يجري بناؤه وتشكيله في الوقت الراهن."

ورغم أن بعض المراقبين يقلل من أهمية مواقف أقطاب الإدارة الأميركية السابقة، على إعتبار أن الحزب الديمقراطي ليس أفضل حالا، لا بل انهم يعتبروا ان الحزب الجمهوري أكثر تماسكا وقوة منه. لكن هذة المحاكاة فيها قصور نظري وسياسي. لإن الأمور لا تقاس بمن هو الأقوى، ولا بمعايير المنكافات بين الحزبين، انما تقاس من خلال الرؤية الشمولية لواقع الحال الأميركي وللمنظومة الدولية والهزات والأزمات العاصفة والشديدة، التي تعيشها أميركا والعالم على حد سواء. أضف إلى أزمة النظام الرأسمالي بلغت مرحلة لم يعد فيها قادرا على التعايش مع المركبات العالمية القائمة، الأمر الذي يفرض أمرا من إثنين: إما الإستسلام للواقع، أو الإنقلاب عليه، وبالتالي الخيار الثاني هو الأنسب للخروج من دوامة الأزمة العضوية، التي تشبه تماما الأوضاع عشية الحربين العالميتين الأولى والثانية، ولكن بشروط التطور الحالي.

والنتيجة العلمية لقراءة الخارطة العالمية، تشير إلى ان العالم متجه نحو تحولات دراماتيكية إستراتيجية غير مسبوقة، حتى لو أزيح ترامب عن سدة الحكم، فإن الإدارة الجمهورية القائمة ماضية في خيار التهديد الفعلي لمركبات النظام الدولي القائم. ولكن ليس بالضرورة ان تنجح الولايات المتحدة لاحقا في قيادة العالم، رغم انها الأقوى عسكريا وإقتصاديا بين دول العالم حتى اللحظة الراهنة. لإن القوة ليست دائما المقررة في نتائج الصراعات والحروب، وتجارب التاريخ تؤكد هذة الحقيقة. والمستقبل وحده كفيل بالإجابة.

* كاتب فلسطيني يقيم في مدينة رام الله. - oalghoul@gmail.com