2018-09-10

جحا للجار: الله اعطاك عمرها..!


بقلم: حمدي فراج

ترافق اتفاق اوسلو الذي تحتفي به اسرائيل سرا "في قلبها"، ونلعنه نحن الفلسطينيين في علانيتنا، بمناسبة مرور ربع قرن على توقيعه في حديقة البيت الابيض الخلفية، ترافق الاعلان عنه انذاك بالتبشير الصهيوني عن الشرق الاوسط الجديد، شرق السلام والاستقرار والرخاء، شرق اندماج العقل اليهودي بالمال العربي، شرق ان تزول فيه الحدود بين فلسطين والاردن ولبنان وسوريا واسرائيل، وتصبح الاسواق الحرة منتشرة بمحاذاة مياه طبريا والليطاني والاردن والنيل وعلى طول الساحل الشرقي للمتوسط، سكك حديدية تشق وحشة الصحراء وتحولها الى واحات غناء في مناخ مثالي لا يضاهيه اي مناخ في العالم، حتى بلغ بالرئيس الراحل ياسر عرفات ان يتماهى مع مثل هذا الطرح فيعد ان تصبح فلسطين سنغافورة الشرق، وعند مذبح هذا التوقيع والتوقع الذي حظي بمناصفة جائزة نوبل للسلام، قضى عرفات محاصرا في مقاطعته بعد حوالي العقد، لكن اسحق رابين، شريكه في الجائزة وفيما كان يطلق عليه "سلام الشجعان"، فقد قضى بعد اقل من عامين رميا بالرصاص.

انظروا ماذا كسّر الجمل الصهيوني من البطيخ الفلسطيني منذ ذلك "السلام"، حتى لم نعد نجد بطيخة جنينية واحدة تدخل اسواقنا اثر تزاحم بطيخ المستوطنات، وتمر المستوطنات وسمك المستوطنات. حروب متواترة بالجملة، اغتيالات، مصادرات، استيطان يبلغ ذروته بترحيل السكان كما مع الخان الاحمر حيث يستعد الجيش لتنفيذ قرار المحكمة العليا، حتى الاسرى لم يشفع لهم اوسلو بفك قيدهم، تحت اباطيل بعض المفاوضين بأنهم "نسوهم"، فجاءت "صفقة القرن" لتزل او تزح عن الطاولة قضية القدس واللاجئين، اعقبها قومية البلاد اليهودية مع إلغاء لغة السكان الاصليين.

ليست هذه تجليات اوسلو الوحيدة وإن كانت المباشرة والظاهرة لكل ذي عين، بل الشق العمودي الذي ضرب في عمق الشعب والوطن الفلسطينيين، ما سبقه من فساد ممنهج، كوجه آخر من عملة الاحتلال، صاحبه استشراء امراض مزمنة مستعصية ضربت في النسيج الوطني الاجتماعي وأخذت تطل برأسها كآفات لم نعهدها من قبل كالمخدرات والقتل على خلفية ما يسمى بالشرف والحلول العشائرية التي ليس لها اي علاقة، لا بالدين ولا بالقانون، حين يتم اجلاء احدى عشرة عائلة في احدى القرى عن منازلها بمن فيهم الاطفال والنساء.

تقول الحكاية ان جحا وضع عينه على قدرة للجار، فذهب اليه لاستعارتها، وعندما اعادها له، احضر معها طنجرة صغيرة، فسأله الجار عن هذه الطنجرة الصغيرة، فأجابه ان القدرة وضعتها. فاستحسن الجار ذلك رغم انه في قرارته لم يصدق، بعد ايام اعاد جحا الكرة واستعار القدرة الام بدون ابنتها: سأعيدها لك بعد يومين. وسرعان ما لبى الجار طلبه، طمعا لربما في ميلاد طنجرة جديدة ، لكن جحا لم يعدها بعد يومين ولا بعد شهر، حتى احتاجها صاحبها واستطول اعادتها، فذهب الى جحا يسألها، فقال له والحزن باد على محياه: الله اعطاك عمرها، لقد ماتت. بقية القصة تعرفونها، إذ قال له: كيف تصدق انها ولدت ولا تصدق انها ماتت.

* كاتب صحفي فلسطيني يقيم في مخيم الدهيشة- بيت لحم. - hamdifarraj@yahoo.com