2018-09-09

فلسطين خارج التفاوض..!


بقلم: د.ناجي صادق شراب

يبدو لي أن الهدف الإستراتيجي لـ"صفقة القرن" التخلص نهائيا من القضية الفلسطينية..!

الفرضية الرئيسية التي تقوم عليها هذه المقالة تصورات وإدراكات أمريكية أولا من يصف ما يسمى بـ"صفقة القرن" لأنه لا توجد أساسا، بل تم الترويج لها إعلاميا وتضخيم الصفقة. 

الفرضية أن العوامل المشجعة للتخلص من فلسطين: إدارة أمريكية جديدة تؤمن وتتبنى خطا أنجيليا متشددا، وحكومة يمينية متشددة في إسرائيل، وتفكك وإنقسام فلسطيني تحول للحزبية والتنظيمية الضيقة، وسلطة فلسطينيه معتمدة على المنح والمساعدات، ووضع إقليمي مشجع، فبعد ما يسمى بالتحولات العربية تسعى الدول العربية للحفاظ على نفسها، ودول إقليمية لا هم لها إلا البقاء، وتتعرض لضغوطات وعقوبات إقتصادية أمريكية ووضع دول مؤيدة للصفقة، وشرعية دولية تفتقر القوة التنفيذية.. هذه التصورات هي من تقف وراء السياسات الأمريكية الساعية للتخلص من القضية.

وبالإضافة لهذه التصورات والمدركات الإعتقاد أنه لا فائدة من المفاوضات، بل وعدم جدواها بين الفلسطينيين والإسرائليين، والقناعة ان إسرائيل لم تعد بحاجة للسلام والتفاوض مع الفلسطينيين، طالما انه بالإنقسام تحقق ما تريد، وأن إسرائيل لم تعد الدولة العدو، بل صار لها قبولا إقليميا، وبالتالي لم يعد للمبادرة العربية فائدة، لأن أهدافها أمريكيا وإسرائيليا قد تحققت.

وهنا السؤال طالما أن كل هذه العوامل تساهم وتساعد في التخلص من القضيه، فكيف وبأى آليه يمكن التخلص من القضيه؟ وهنا الإجابة لها مستويان تتعلقان بالقضية الفلسطينية:
المستوى الأول وقد تحقق تفكيك القضية الفلسطينية من مكوناتها الإقليمية والدولية، فلم يعد صعبا القول ان القضية الفلسطينية أمريكيا وإسرائيليا لم تعد قضية عربية ولا دولية، بل تحولت لمجرد نزاع ثنائي محصور بين طرفين، مثل أي نزاع آخر على أمتار من الأرض وعلى طرفي النزاع حل مشاكلهما بينهما بشكل مباشر.! والمستوى المكمل لهذا المستوى تفريغ القضية من مكونها الشرعية، بمعنى تجميد كل قرارات الشرعية الدولية وذلك من خلال إلغاء وتعطيل أي دور للأمم المتحده، وتعطيل وإلغاء أي دور لوكالاتها ومنظماتها المتخصصة ـ وما صدر عنها من قرارات بشأن دعم الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وإدانة للإحتلال الإسرائيلي وعدم الإعتراف بأي تغييرات على الأرض الفلسطينية. هنا تفريغ لهذه القرارات وطيها في أرشيف النسيان الدولي، وهذا تمت ترجمته بتقليص مساهمات الولايات المتحده في هذه المنظمات وإنسحابها من بعضها.
اما المستوى الثاني وهو الأساس في الصراع العربي الإسرائيلي، وهو الذي يشكل جوهر وقالب القضية الفلسطينية، تفريغها من هذه المكونات، والقضايا.

ولو تمعنا النظر في القضية الفلسطينية يمكن تقسيم هذه المكونات إلى مكونات أساسية، إستمراراها يعني إستمرار القضية الفلسطينيهة، ومكونات أخرى في صورة مطالب او حقوق أو حلول. وبالنسبة للمكونات الأساسيه تتلخص القضية الفلسطينيه في قضيتين أساسيتين: الأولى القدس، والقدس هنا ليست مجرد عاصمة، فالعاصمة يمكن أن تقوم في أي مكان، ولكن القدس تلخص تاريخ الصراع بما تمثله من بعد دينى مقدس، وحقوق تاريخيه ـ وبالتالي إبعاد القدس عن هذا الإطار تثبيت لوجهة نظر على ألأخرى ، بعبارة أخرى إضفاء المصداقيه التاريخيه والشرعيه عليها ، وهنا يمكن فهم دلالات نقل السفارة ألأمريكيه للقدس، والإعتراف بها عاصمة موحدة لإسرائيل، وبهذا تأكيد البعد الأول في يهودية إسرائيل كدولة فقط للشعب اليهودي.

هذا البعد يكتمل بالمكون الرئيس الثاني وهو قضية اللاجئين، وفي الأساس القضية الفلسطينية قضية لاجئين هجروا بفعل القوة الإسرائيلية من ديارهم وبيوتهم في عام 1948، وعلى أثرها قامت إسرائيل الدولة. واليوم عدد اللاجئين يفوق الخمسة ملايين لاجئ يعيشون في مخيمات ما زالت تحمل ديمومة هذه النكبة، وحفاظا على حقوق اللاجئين صدر القرار الأممي من الأمم المتحدة رقم 194، والذي بموجبه أنشئت "وكالة الغوث". ولا شك أن أهم وأكبر إنجاز لهذه الوكالة هو الحفاظ على قضية اللاجئين التي تذكر العالم بالمأساة والنكبة الفلسطينية التي يتحمل المجتمع الدولي مسؤولية كبيرة عنها، وتطالبهم بالمسؤوالية عن إرجاعهم. ومن ناحية أخرى الدول المضيفة، وهي الدول العربية، وبقرار من الجامعة العربية حافظت على جنسيتهم وإستضافتهم بشكل مؤقت.

وفي هذا السياق القضية تشكك في شرعية إسرائيل وتحول دون إكتمال إسرائيل كدولة يهودية، فجاء القرار الأمريكي الأخير بإلغاء كل المساعدات التي تقدمها الولايات المتحدة للوكالة وتبلغ حوالي االربع من موازنة الوكالة، أي حوالى 350 مليون دولار، والعمل على تمرير قانون بتقليص عدد اللاجئين إلى نصف مليون، أي الغاء صفة لاجئ للأبناء والأحفاد، وهو ما يعني في النهاية أن عدد اللاجئين سيصبح اقل من نصف مليون، من ثم من السهل التخلص منهم بإستيعابهم أو توطينهم أو منحهم جنسيات أخرى، ومن تبقى يمكن تشجيع هجرتهم..!

وهذا الإلغاء يشكل البعد الثاني الذي تكتمل به إسرائيل كدولة يهودية، إذ تكتمل بقانون القومية الذي أصدره الكنيست الإسرائيلي، والخلاصة او النتيجة الحتمية إلغاء فلسطين تاريخا وهوية وشعبا..! وما تبقى من السكان يمكن التعامل معهم من منظور الحقوق الإنسانية. وإذا كان لا بد من كينونة شبه سياسية لتكن غزة التي تفتقر لكل مقومات البقاء والديمومة ،اما ما تبقى من شعب فلسطيني في الضفة الغربية يمنح بعضا من الحقوق أو يرتبط كونفدراليا مع الأردن، لأن إسرائيل لن تسمح وفقا لقانونها الأخير بقيام دولة فلسطينية قلبها الضفة الغربية، اما ما سيقوم في غزة ليس دولة بقدر ما هو بناء سياسي للسكن، وفي الوقت تتخلص من خلاله من كل المقاومة، ومن أي دور لـ"حماس" بصورة أو بأخرى، وهكذا يتحول الفلسطينيون ويستبدلون من شعب إلى كتلة سكانية تبحث عن حلول إنسانية..!

* استاذ العلوم السياسية في جامعة الآزهر- غزة. - drnagish@gmail.com