2018-09-08

 السفير محمد صبيح.. مسيرة يصعب حصرها


بقلم: عبد الناصر عوني فروانة

عرفه العظماء ثائرا مؤمنا برسالته وقضية شعبه الفلسطيني، وأنا عرفته مناضلاً وطنياً غيوراً وشرساً منذ أن كنت طفلاً. عرفته رجلا عنيداً وصلبا لا يلين أو يساوم، وعرفته مبدئيا منذ أن التحق في منظمة التحرير الفلسطينية في بدايات تأسيسها وبالثورة الفلسطينية المعاصرة وهي في ارهاصاتها الأولى. عرفته من خلال ما تتناقله وسائل الاعلام وعبر ما تتداوله الكتب والدراسات والمجلات. وتعرفت عليه وعلى خصاله أكثر منذ أن تبادلنا الكلمات والرسائل قبل أكثر من عقد من الزمن، واقتربنا من بعضنا أكثر بعدما التقيته للمرة الأولى بين أزقة مدينة غزة برفقة الأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية د. عمرو موسى، ومن ثم التقيته مرات عدة بصحبة أمهات الأسرى وأسرى محررين في مكتبه داخل مقر جامعة الدول العربية وسط العاصمة المصرية (القاهرة). وفي ديسمبر عام 2012 سافرت بصحبته الى العاصمة العراقية (بغداد) للمشاركة في المؤتمر الدولي للأسرى الذي نظمته جامعة الدول العربية آنذاك، ومكثنا سوية هناك بضعة أيام قبل أن نعود على متن طائرة واحدة ومتجاوران على كرسي مشترك الى قاهرة المعز، فكانت قضية الأسرى هي محور حديثنا الأساسي طوال الرحلة من بغداد الى القاهرة.

ومرت الأيام والشهور دون انقطاع، إما باللقاء المباشر في مكتبه بالقاهرة، وإما عبر الهاتف أو بتبادل الرسائل الصوتية والورقية، إلى أن قررنا سويا في أكتوبر 2013 اصدار كتاب "الأسرى الفلسطينيون.. آلام وآمال" والذي يتناول حياة الأسرى وراء الشمس وحكاياتهم مع السجان الإسرائيلي وأبرز الانتهاكات والجرائم الإنسانية التي تُقترف بحقهم من قبل سلطات الاحتلال، فاقتربت منه أكثر، وتعمقت معرفتي به أكثر، وتعلمت من الكثير، مما زادني فخرا به.

ذاك الكتاب الذي تشّرفت بإعداده وتأليفه وصّدر عن قطاع فلسطين والأراضي العربية المحتلة بجامعة الدول العربية في حفل أقيم في الثامن من تموز/يوليو عام 2015، داخل بيت العرب وفي قاعة رئيسية في مقر حاضنة العرب "جامعة الدول العربية" بحضور معالي الأمين العام د. نبيل العربي. هذا الكتاب عمّق علاقتي وروابط صداقتي بهذا الرجل العظيم ومنحني الفرصة للتعرف على خصاله المتشبثة في اعماقه والتي تعكس اصالة منقطعة النظير، وانتماء تاريخي عميق الجذور لقضيته الفلسطينية بشكل عام، وقضية الأسرى والمعتقلين في سجون الاحتلال الإسرائيلي. انه المناضل القدير/ سعادة السفير/ محمد صبيح الأمين العام المساعد، ورئيس قطاع فلسطين والأراضي العربية المحتلة بجامعة الدول العربية سابقا، وامين السر الحالي للمجلس الوطني الفلسطيني.

"محمد صبيح" كان سندا حقيقيا للرسالة التي نحملها وللقضية التي ندافع عنها، ولقد وقف بجانبي ويسجل له انه بادر بمنحي هذه الفرصة التي مكّنتني من توثيق التجربة الاعتقالية في السجون الإسرائيلية على صفحات من كتاب أصبح متوفرا بين يدي الجميع. وساهم معي بإنجاز كتابي هذا، باشرافه العام وملاحظاته القيمة وإرشاداته الحثيثة ومقترحاته المفيدة، وكلماته المعبرة التي تعكس وعيا متقدما وحرصا كبيرا على نصرة قضية الأسرى والمحررين. فتشرفت بالعمل المباشر معه، واستفدت منه الكثير، وتعلمت من مدرسته ومخزون علمه، ومما قاله ودونه من ملاحظات، والتي أضافت للكتاب الكثير. هذا الكتاب الذي شكل وثيقة اساسية ورسمية هي الاولى التي تصدر عن جامعة الدول العربية بهذا الحجم والمضمون. ويعتبر اليوم مرجعا لكل المهتمين والباحثين.

محمد صبيح وكنيته "أبو وائل" سفير مخضرم وسياسي محنك ورجل عظيم ومتواضع جداً، رجل المبادئ والقيم، رجل العمل والنشاط والحيوية، ورجل يصعب على كاتب متواضع مثلي أو حتى محترف أن ينصفه ببضع كلمات او عدة صفحات. فالرجل بتاريخه الكبير ومسيرته العظيمة أكبر من أن تصفه كلمات اللغة، وتنصفه العبارات الإنشائية. كيف لا ونحن نتحدث عن قامة عظيمة، وتاريخ عريق ومسيرة حافلة بالعطاء والتضحيات استمرت لأكثر من خمسة عقود متواصلة.

وقبل ان تودعه جامعة الدول العربية في "حفل وداع" اقيم بمقر الجامعة بالقاهرة بمناسبة انهاء خدمته في الجامعة، كنت قد تشرفت بتكريمه باسم هيئة شؤون الاسرى والمحررين وبالنيابة عن رئيسها الاسبق الوزير عيسى قراقع، وقدمت له درع الاسرى واهالي الاسرى تقديرا لما قدمه للقضية.

وفي تشرين اول/أكتوبر عام 2015 اقامت جامعة الدول حفلا، يمكن ان نسميه "حفل وفاء وتقدير" لمسيرة هذا الرجل الوطني القومي بامتياز الذي كرّس حياته لخدمة فلسطين وشعبها وقضايا الأمة العربية، لينهي خدمته بجامعة الدول وينتقل الى موقع آخر في المجلس الوطني الفلسطيني، فهو الرافض لانهاء الخدمة، وهو القائل لي "عطائي لأجل القضية لن يتوقف لمجرد انتهاء عملي في هذه المؤسسة أو تلك. فالعطاء لا حدود له، ومساحة العمل رحبة. وأنا فقط سأنتقل من مكان لآخر".

وبقدر ما يؤثر فينا انتهاء فترة عمله في جامعة الدول العربية، إلا أن ما يخفف عنا هو تأسيسه لمدرسة متميزة في قطاع فلسطين والأراضي العربية المحتلة بجامعة الدول، ووجود طاقم رائع من العاملين فيه ممن حملوا القضية في اعناقهم. علاوة على أن من خلفه، كان خير خلف لخير سلف. فهو مناضل قدير وذو مسيرة مشرفة وانتماء صادق وعطاء لافت للقضية بملفاتها المختلفة وفي مقدمتها الاسرى.

وبالعودة الى سيرة حياته، تجد ان فيها الكثير من محطات الفخر والاعتزاز. فلقد ولد السفير/محمد صبيح في مدينة القدس الشريف بتاريخ 31 تموز/يوليو عام 1938، ومتزوج وله بنت وولد، وتبوأ خلال مسيرته الطويلة مناصب عدة، أبرزها أمين سر المجلس الوطني الفلسطيني لمنظمة التحرير الفلسطينية، وكذلك أمين سر المجلس المركزي وعضو المجلس الاستشاري لحركة "فتح"، وعمل مندوباً دائما وسفيرا فوق العادة ومفوضا لدى جامعة الدول العربية، وأصبح عميدا للسلك الدبلوماسي المعتمد لدى جامعة الدول العربية منذ 1994-2005. وشغل منصب الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية، رئيس قطاع فلسطين والأراضي العربية المحتلة منذ العام 2005 وحتى 2015.

كما وعمل في مجالات كثيرة، وكان حاضرا في المناسبات الوطنية، وشارك في كافة مؤتمرات القمة العربية منذ 2000 ولغاية 2012. كما وشارك في اجتماعات عربية واسلامية واوروبية عديدة ممثلا لفلسطين، وكان المنسق العام للمؤتمر الدولي للتضامن مع الأسرى والمعتقلين العرب في سجون الاحتلال الإسرائيلي والذي عقد في بغداد 11 و12 ديسمبر 2012.

ثمانون عاما من العمر مضت، كانت مفعمة بالنشاط وحافلة بالمواقف والانجازات ومازالت ماكنة العطاء تعمل وتنتج. ثمانون عاما مضت سطر خلالها تاريخ نضالي حافل بالعطاء المخلص والعمل المتفاني والمحطات المضيئة.

السفير "محمد صبيح".. رجل كلما قرأت له او تواصلت معه، ازددت فخرا به وادراكا لحجم انتمائه لفلسطين وشعبها واسراها. فهو يجسد مسيرة شعب يصعب حصرها في هذا المقام، وتاريخ لا يمكن وصفه لرجل يصعب انصافه ببضع كلمات.

"ابا وائل".. دمت ودام عطاؤك أخي الكبير، ودامت المحبة والصداقة. زقد اشتقنا اليك ونأمل لقاءك قريبا.

* باحث مختص بقضايا الأسرى ومدير دائرة الإحصاء بوزارة الأسرى والمحررين، وله موقع شخصي باسم: "فلسطين خلف القضبان". - ferwana2@gmail.com