2018-09-07

طارق وجولي وزينة يردون على دونالد..!


بقلم: د. أحمد جميل عزم

منذ سنوات ورواية "مصائر" لكاتبها ربعي المدهون، على رف الكتب التي تخامرني رغبة بالكتابة عنها. الآن أسهمت جهتان بإنزالها من الرف؛ أولاهما الرئيس الأميركي دونالد ترامب من جهة، والثانية، هي الصديق المهندس طارق البكري ومعه ابنة عكا زينة وخطيبها.

طارق، مهندس فلسطيني من القدس، خريج الجامعات الأردنية، باتت سيارته التي يصحب الناس بها جزءاً أساسياً من المشاهد الذي يظهر به. بدأ الأمر بهواية التصوير، وصارت صوره لفلسطين ومشاهدها تجذب الفلسطينيين خصوصاً في الشتات، ثم صار البعض يطلب منه تصوير قريته أو منطقته بشكل خاص، فصار يضحك ويقول، كأني مصور لدي برنامج اسمه "ما يطلبه اللاجئون"، ثم صار البعض يرسل له صورة بيته التي ورثها عن الأب أو الجد، ويطلب منه أن يبحث ماذا حل بالبيت ويصور صورة جديدة، ثم صاروا يأتون بأنفسهم إذا استطاعوا لذلك سبيلاً، فيصحبهم للبحث عن جذورهم.

في رواية المدهون، المبنية على "شخصيات حقيقية من بيئة واقعية"، فإنّ إيفانا؛ البنت الفلسطينية الأرمنية، من عكا، تقع في حب جندي بريطاني يدعى جون، وأنجبا ابنة تسمى جولي. امتزجت زرقة عينيه مع زرقة بحر عكا، في العام 1947، ولم تعد ترى فيه جنديا بريطانيا، طبيبا، ولم تعد ترى حولها الابتسامات الصباحية لشبان حارة عبود وحارة الشيخ عبدالله والفاخورة، ولا الأولاد في مدرستها "تراسنطا"، ولم تكن عائلتها فقط هي التي رفضت زواجها من جندي إنجليزي وحسب، بل وحتى أهل الحارة الذين توثبوا لضرب الجندي. فهربا وتزوجا، وعندما حلت النكبة، هاجرت معه ومعهما ابنتهما. ولجأ الأبوان إلى مخيم جسر الباشا، في لبنان، وقتلت الأم في 29 حزيران (يونيو) 1976، على يد قوات الكتائب اللبنانية، وظل الأب رافضاً رؤية ابنته أو مسامحتها أو حتى رؤية حفيدته. ولكن قرب موتها فجمعت إيفانا الأصدقاء وابنتها وزوجها وليد الذي يأتي من عائلة من عسقلان هجّرت إلى غزة، وطلبت أن تتولى الابنة، بعد وفاتها، أمر حرق جثتها ووضع الرماد في تمثال خزفي لامرأة جميلة، ليلقى نصف الرماد في فناء البيت في عكا، والنصف في القدس.

أما زينة التي تتحدث العربية بلكنة لبنانية، وولدت في كندا وتحمل جواز سفر كنديا، فأتت قبل أسابيع مع خطيبها، إلى فلسطين لأول مرة، وكانت قد أخبرت طارق أنها لا تملك صورة البيت، أو خريطة؛ إذ إن والدها غادر عكا وعمره ست سنوات، ولكنه سيتذكره لو شاهده. قال لها طارق، تعالي وسنعتمد على التاريخ الشفوي، وسنستخدم الاتصال بالفيديو (video call) بأبيها في كندا. وجاءت وخطيبها وبكت وهي تدخل عكا، وكانت أعدت العدة لكتب كتابها (عقد القران) هناك، وهذا الحافز الأساسي للمجيء. كانت تحمل العباءة التي أعطتها جدتها لأمها عندما هربت من حرب لبنان إلى كندا، ثم أعطتها الأم لزينة، وقالت لها "تلبسينها عدما تذهبين لفلسطين". بعد دخول عكا والاتصال بالفيديو مع الأب والوصول، خرجت مفاجأة أعدها "النشمي" طارق، زفاف أصر شباب فرقة "جو" من القدس الذين جاؤوا، وارتدوا كامل أناقتهم في زقاق عكّاوي، أن يقدموه لبنت بلدهم. وهذا الزفاف أعطى فرصة لزينة لتقوم بالرقص بعد البكاء، ترقص بحماس العودة لعكا وحماس الزفاف، وعقد القران الشرعي، الذي احتضنه أهالي حي الرمل، شارع والدها، وتحدث الأب فعلا، الذي كان ينتظر الساعة الثالثة فجرا في كندا، ويساعدهم على الوصول للحارة، وتحدث من بقوا هناك، وتذكروا عائلات بعضهم على الأقل، وأخبروه أن ابنته ابنتهم وأنهم يزفونها، ويتطلعون لعودته. وغنت الفرقة "جنة جنة يا وطنا"، ودخلت أغنية لسميح شقير للعرس، وصارت تصلح للأعراس بفضل الفرقة "اليوم تلاقينا.. حقنا المغصوب ما نساوم عليه أحد والكون ما يسود الطغيان لو بالنار وبالزرد".

يقول ترامب إنه يريد تمكين الفلسطينيين من التخطيط لمستقبلهم، ولذلك يطلب شطب أبناء اللاجئين من سجلات وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين، ليصبحوا مواطنين في بلاد أخرى. ربما عدا تذكيره أنّ الذين أطلقوا الثورة الفلسطينية كانوا أطباء ومهندسين وعلماء ورجال أعمال، فإنه ربما يجب أن يقرأ رواية جولي وإيفانا، ويرى فيلم زينة ووالدها، الذين أوصلهم الاستقرار للعودة للوطن، ليدحضوا خيالاته عن وجود طريقة تنسي الفلسطينيين وطنهم.

* مدير برنامج ماجستير الدراسات الدولية في معهد ابراهيم أبو لغد للدراسات الدولية في جامعة بيرزيت. - aj.azem@gmail.com