2018-09-06

ترامب زعيماً للعرب..!


بقلم: د. هاني العقاد

عفوا ياسر عرفات.. عفوا جمال عبد الناصر.. عفوا صدام حسين.. عفوا الملك فيصل.. عفوا هواري بومدين.. عفوا ايها الزعماء، فقد احتل الامريكان مكانتكم ونصب العرب ترامب زعيما فلا احد يرفض ما يقوله واغلبهم ينفذ ما يريد قبل ان يقول او يطلب..! هذا يعني ان لا احد يستطع الوقوف على منصته الوطنية ليرد على ترامب او يعارض اعلانه القدس عاصمة لدولة الكيان ومحاولاته تفكيك قضية اللاجئين وانهائها، واعلان ابو ديس عاصمة للفلسطينيين، واخراج غزة من دائرة الصراع..!

الحقيقة ان بعض العرب نصبوا عليهم زعيما صُنع في صالات القمار والفساد دون الاكتراث انهم يسقطون في قيعان التخاذل والاستسلام، كل اعتقادهم انهم صنعوا نصرا للامة العربية عندما جاءوا به ليحمي اوطانهم ويحافظ على الهوية والجغرافيا والتاريخ العربي ودفعوا له الاموال ثمنا لحماية القصور واليخوت والامارات في اعالي الابراج والشواطئ والمنافذ العربية على الخليج والبحار العربية.. صمتهم قال ذلك وارتعاشهم اجاب عن الف سؤال يجول بخاطر كل حر يتغنى بأمجاد الامة العربية وبطولاتها ومازال يعتقد ان هناك اميرا عربيا يحتفظ بعذريته إذ يقف رجل ابي كريم شامخ بين تلك القطعان المنساقة بلا حبال وراء الشيطان.. لكنهم مارسوا زعامتهم على الفلسطينيين عندما رفضوا هذا التنصيب وصبوا غضبهم على القيادة الفلسطينية دون ان ينتصروا لقضيتهم التاريخية وقدسهم ومقدساتهم.

مليارات الدولارات لكي تبتسم لهم ايفانيكا التي افتتحت السفارة الامريكية في القدس وتحدت عروبتهم ودنست قدسهم بأموالهم فثمن تذاكر الطائرة التي اقلتها من واشنطن لتل ابيب كانت من الاموال التي اهداها لها العرب.. لم نسمع صوتا من العرب منذ ذلك الحين..! لذا فان ترامب مضى في مخططاته التصفوية لإنهاء الصراع عبر خطة ناعمة متدرجة اسماها هو "صفقة القرن" بدأت منذ ان اعلن القدس عاصمة للكيان الغاصب..!

اليوم امريكا تستهدف "الاونروا" الشاهد الوحيد على جريمة التهجير الجماعي وسرقة الارض عام 1948 حتى الآن والتي تسد بعض احتياجات اللاجئين الفلسطينيين في المنافي ودول اللجوء بعدما اعلنت ادارة ترامب وقف تمويل واشنطن لمنظمة اغاثة وتشغل اللاجئين الفلسطينيين والخطير في الامر انه اصدر الاوامر للعرب بإمكانية الاستمرار في دفع حصصهم لـ"الأونروا" لعام واحد فقط اذا ما حددوا صفة اللاجئ لمن تنطبق علية الصفة حسب تصنيف الكونغرس الامريكي لللاجئين الفلسطينيين، في خطوة تقول ان العرب وصلوا لمرحلة الذل المهين للكرامة العربية ولم يعد يعرف الحكام شيئا اسمه النخوة العربية الا من رحم ربي.

لن تتوقف ادارة ترامب عند هذا الحد، بل امامها خطوات في حلقات متدرجة باتجاه الخلاص نهائيا من قضية اللاجئين الفلسطينيين واعتبارها كأي قضية لاجئين بالعالم، ولعل الخطوة الخطيرة المتوقعة هي استهداف قرار 194 والغائه نهائيا بقرار نقيض من مجلس الامن نافذ المفعول ينهي "حق العودة" ولا يحصل اللاجئين الفلسطينيين على أي تعويض ليبقي اللاجئ الفلسطيني امام خيار وحيد وهو قبوله بالتوطين في احدى الدول التي يقيم فيها والحصول على جنسيتها..! وهنا لابد وان نشير ان مخططات لتفكيك المخيمات بالدول المستضيفة بدأت بالتزامن مع ما يسمي مجازا وليس اصطلاحا "الربيع العربي" سواء في لبنان او سوريا وقد تكون وصلت الاجراءات الى الاردن ولكن بشكل مختلف. حتى في غزة لمن يدقق النظر يستطيع رؤية معالم التوطين وتفكيك المخيمات بشكل واضح جدا.

ترامب جاء ليكمل سناريوهات التصفية التي بدأت مباشرة بعد الرابع من يونيو 1999 أي انتهاء الفترة الانتقالية لاوسلو واعلان الحرب الاستيطانية المتصاعدة لرسم جغرافيا للحل القادم على الارض والقائم على أساس المشروع الصهيوني الكبير، لكن ترامب بدا الأكثر جرأة من سابقيه في انحيازه الكامل للمشروع الاستيطاني اليهودي في فلسطين وتهيئة كل السبل ليكتمل وينجز المشروع في زمن قياسي قبل ان يستفيق العرب، فقد اعلن القدس عاصمة للكيان ونقل السفارة ووعد العرب بحلف جديد تكون اسرائيل على رأسه لتوفير الحماية غير المسبوقة لهم وفي ذات الوقت ضمن نفس الوقت نصبه العرب زعيما عليهم.

زعيم العرب الجديد لن يكتفي بتوظيف العرب لتحقيق كل اهداف ادارة ترامب، بل سيتعدى الامر ذلك، فسوف يجعل من قصورهم مساكن لليهود وثرواتهم تصب في بنوك تل ابيب، كل هذا باسم الحماية من الخطر والفوضى والارهاب وكل المسميات التي صنعتها امريكا ورعاها الغرب في معادلة تقاسم الادوار القذرة وتنفيذ مخططات "سياكس بيكو" العصر، وما دام العرب لم يكترثوا كثيرا بالحرب المعلنة على الفلسطينيين من قبل زعيمهم الابرص والعلاقة مع اسرائيل والذين التي يتشدق بها نتنياهو في كل مناسبة، مظهرا بان العلاقة تعدت مرحلة التطبيع وباتت متينة وقوية تحكمها مصائر واحدة امام التهديد الخطير لدوائر الارهاب بالعالم والمحيط للإقليم، لن يكتفي ترامب بتنصيبه زعيما للعرب بل ان الهدف الاكبر هي الكيانات العربية ذاتها لتصبح ولايات امريكية يقيم فيها حكام امريكيون يحكموها ويتحكموا في ثرواتها التي تصل كلها لأمريكا، وتبقى صورة العقال والعباءة ملصقة على كرسي مذهب بالصمغ والدبابيس..! واخشى ان يكون الحكام الحاليين ما هم الا صورة  لرأس بشري مبرمج عليه عقال ملصق على ذات الكرسي يحيط به جهلاء لا يستطيعوا فتح افواههم الا للطعام وتقبيل الاحذية..!

* كاتب فلسطيني يقيم في قطاع غزة. - dr.hani_analysisi@yahoo.com