2018-08-31

زجاج أسود..!


بقلم: حمدي فراج

في عام 1993 تفتقت العقلية الاسرائيلية لحل إشكالية مرور الفلسطينيين عبر الجسر الى الاردن بأن اخترعت موضوع الزجاج الاسود، بحيث لا يراه المواطن الا كجدار ولا يستطيع بالتالي ان يرى ما خلفه، لكن الذي يجلس خلف هذا الزجاج هو الذي الذي يدير الجسر ويتحكم بكل حركة، وهو الذي بالتالي يسمح لهذا بالمرور ولذلك بالرجوع، ولثالث بالتحقيق ولرابع بالاعتقال. في الواجهة شرطي فلسطيني تعرفه من سحنته ومن لغته ومن ابتسامته ودماثته، لكنه فجأة يطلب مني ان ارفع نظارتي عين عيني، فأسأله، كون الطلب لم يكن في السياق، لماذا؟ ماذا حصل؟ فيشير لي بعينيه، ان الذي يجلس خلف الزجاج الاسود على منصة أعلى هو الذي يطلب. فأدركت كنه الموضوع رغم وجود الشرطي الفلسطيني في الواجهة ورغم صور ياسر عرفات والملك حسين على جدران الصالة ورغم ان الجسر اسمه معبر الكرامة.

ما يتعلق بالحقائب والمقتنيات، تشرف اسرائيل مباشرة على كل شيء يدخل او يخرج، بما في ذلك كتابك او شفرة حلاقتك او علبة دوائك او دمية طفلك او كيلو شاي، باستثناء الحمالين العتالين ، فهم فلسطينيون.

بطاقة هويتك التي تم تغيير لونها من البرتقالي الى الاخضر، تحمل الرقم ذاته، ما ينطبق على "جواز سفرك" الذي لا يتعدى انه مجرد وثيقة سفر ، وليس ما يعنيه جواز السفر من التجنس والدولة والسيادة.

ساءلت نفسي عم ستتفتق عنه العقلية الاسرائيلية في تدشين ميناء غزة كي تنظم المرور الى قبرص، والطيران الى مصر،  والى اين سيتم تحويل المعتقلين وهل من حق اسرائيل محاكمتهم والزج بهم في سجونها، وكيف ستمنح بعدها حق ذويهم في زيارتهم مرة في الشهر او مرتين.

وساءلت نفسي، على ماذا يختلف الفلسطينيون ولماذا يعززوا انقسامهم لطالما انهم يقفون سواسية امام الزجاج الاسود، هذا الزجاج الذي ظن المفاوض الفلسطيني انه سيكون مؤقتا، لسنة او سنتين او خمسة في ابعد احتمال ، لكنه استمر ربع قرن، مات او تقاعد كل من جلس خلفه او أمامه دون ان يموت او يتشظى او يتهاوى.

لكن المسألة في هذه المرة تتعدى كل ذلك الى ما هو ابعد وأثقل واعمق، انها تطول قسم الشعب الى شعبين، والوطن الى وطنين، والحكم الذاتي الى حكمين، والزجاج الاسود الى زجاجين في انتظار صلاح دين جديد يأتي من خلف البحار ليعيد توحيد الشعب الفلسطيني والوطن الفلسطيني بعد ان يهشم الزجاج الاسود بسيفه.

************

بم التعلل لا اهل ولا وطن * ولا نديم ولا كأس ولا سكن / اريد من زمني ذا ان يبلغني * ما ليس يبلغه من نفسه الزمن / مما أضر بأهل العشق انهم هووا، وما عرفوا الدنيا وما فطنوا / تفنى عيونهم دمعا وانفسهم * في اثر كل قبيح وحهه حسن / رأيتكم لا يصون العرض جاركم * ولا يدر على مرعاكم اللبن / ما كل ما يتمنى المرء يدركه * تجري الرياح بما لا تشتهي السفن. (المتنبي)

* كاتب صحفي فلسطيني يقيم في مخيم الدهيشة- بيت لحم. - hamdifarraj@yahoo.com