2018-08-29

"طبعة جديدة لانتصار النخبة القديمة"..!


بقلم: سليمان ابو ارشيد

وصف الصحافي والمؤرخ الإسرائيلي، توم سيغف، الطبعة الخامسة الموسعة لكتاب "حديث المحاربين"، التي صدرت بعد نصف قرن على حرب 1967، وتضمنت لأول مرة شهادات جنود من المدارس الدينية، كانت قد أسقطت في الطبعات الأولى، بأنها طبعة جديدة لانتصار النخبة القديمة.

وكان الكتاب الذي بادر إليه مجموعة من المثقفين والكتاب الإسرائيليين، بينهم عاموس عوز وحرره أبراهام شبيرا، قد وثق مباشرة بعد انتهاء حرب 1967 عشرات الشهادات لعسكريين وضباط من أبناء "الكيبوتسات" الذين شاركوا في المعارك، اعتبر في حينه "ألبوم نصر" للنخبة الأشكنازية التي قادت الدولة وانتصرت في الحرب ودفعت الثمن، حيث شكل أبناء الكيبوتسات الذين لم تتجاوز نسبتهم 4 في المئة من سكان إسرائيل، ربع القتلى الذين سقطوا في الحرب.

ويكتشف سيغف من خلال تفحص أسماء الضباط الذين أدلوا بشهاداتهم والذين نشرت أسماؤهم للمرة الأولى، أن نخبوية هؤلاء لا تقتصر على انتسابهم للكيبوتسات فقط، بل أن معظمهم يرتبطون بعلاقات قربى مع وزراء وأعضاء كنيست ورؤساء "شاباك" وغيرهم من ذوي الشأن، وأن بعضهم احتل بنفسه مثل هذه المناصب لاحقا، ما يجعلهم من قلب النخبة السياسية التي كانت سائدة.

في المقابل، يمثل نشر شهادات الضباط من طلاب المدارس الدينية ضمن الطبعة الجديدة للكتاب، بعد أن جرى إسقاطها عمدا في طبعاته السابقة، كما اعترف محرر الكتاب لاحقا، يمثل اعترافا بالدور الذي بات يحتله هذا التيار، الذي يتقدم بخطى ثابتة لاحتلال دور النخبة الجديدة في المجتمع الإسرائيلي، بعد أن أزاح النخبة القديمة من طريقه.

ويستدل أيضا من الأسماء التي أدلت بشهاداتها من المدرسة الدينية "هراف" في القدس مثل فريد بن نون وبار إيلان وغيرهم، أنهم أصبحوا بعد سنوات من مؤسسي حركة "غوش أيمونيم" ومن قادة المستوطنين في الضفة الغربية لاحقا، ما يعني أن الحرب التي كانت ذروة منجزات النخبة القديمة، هي التي ولدت، بما تمخض عنها من مشروع استيطاني جديد، النخبة الجديدة.

في سياق الحقائق الميدانية، منعت الرقابة العسكرية في حينه نشر 70 في المئة من التسجيلات التي بلغت 200 ساعة، والتي اعتمد عليها الكتاب وشملت عشرات الشهادات التي تتحدث عن ارتكاب جرائم حرب من قبل الجيش الإسرائيلي، حتى أن  منتجة فيلم "الأصوات الممنوعة"، مور لوشي، التي استندت إلى بعض هذه التسجيلات في فيلمها الذي عرض قبل بضع سنوات فقط،، قالت أنها اكتفت بإدخال ثلاث أو أربع شهادات فقط من 30 أو 40 شهادة تحدثت عن جرائم قتل أسرى حرب، وأنها تحاشت إدخال حالات فردية و"متطرفة" من باب "شعورها بالمسؤولية"، على حد قولها، علما أن هذه الشهادات بقيت ممنوعة على مدى 50 عاما وغالبيتها ممنوعة حتى اليوم.

ومن "الأصوات الممنوعة" كسر فيلم مور الحظر المفروض عليها شهادة هذا الضابط الذي يقول إنه "في اليوم التالي قمنا بنقل أواخر الأسرى وسمح المظليون بدفنهم، وفي الليل قتلنا حوالي 50 منهم، وسمح بدفنهم جميعهم، وعندها قام الضابط وحصد باقي الأسرى بصمت ومن دون مشاكل".

ضابط آخر يقول في شهادته: "التقينا بقافلة كبيرة كانت تسير بطريق ترابية وقمنا بتفتيشها ثم سمحنا لها بمواصلة طريقها، وفي الأثناء واصلنا سيرنا وعدنا إلى الخلف فرأينا خمسة جنود يوقفون قافلة عرفنا أنها نفس القافلة التي أوقفناها سابقا، حيث قاموا بإبقاء الرجال والسماح للنساء والأولاد والحمير والقطيع بمواصلة السير، وبعد أن ابتعدوا 100 متر تقريبا، قام الجنود بإطلاق النار على 15 رجلا، وقد رأينا جنديين يلقون بجثثهم خلف سور من الحجارة".

وتصف شهادة أخرى عمليات التهجير التي قام بها الجيش الإسرائيلي خلال الحرب، إذ يقول صاحبها: "لقد تم تكليفنا بإخلاء السكان من بيوتهم، وهو ما بدا وكأنك تأخذ هذا العربي الذي تجذر في قريته وتحوله إلى لاجئ، أو ببساطة تقوم بطرده، والحديث لا يدور عن واحد أو اثنين أو ثلاثة، إخلاء أو كما يسمونه (...) وعندما ترى قرية كاملة تمشي كالغنم الى حيث يأخذونها دون أن تبدي أي علامة مقاومة، تدرك ماذا تعني ’الكارثة’".

أما عن مسؤولية معدي الكتاب ومحرريه وبينهم أسماء "سلامية" معروفة، مثل الأديب عاموس عوز، في التستر على جرائم الحرب التي كشفتها الشهادات، فيورد سيغف ما ذهب اليه المؤرخ ألون جين، وهو رئيس قسم التاريخ في كلية "سمينار هكيبوتسيم"، من أنه باستثناء تغييرات طفيفة نسبيا فرضتها الرقابة العسكرية على المبادرين للمشروع، فإن الكتاب يضم محذوفات وتزييفات أريد منها التغطية على جرائم الحرب وكذلك إخفاء انحرافات أيديولوجية و"عاطفية" عبر عنها بعض المتحدثين، وذلك كي يمنحوا الحركة الصهيونية ذاتها مظهرا أفضل من مظهرها الحقيقي.

ويستغرب سيغف قيام محرري الطبعة الجديدة من الكتاب، بكيل المديح لفيلم مور المذكور دون التطرق إلى أطروحة الدكتوراه التي أعدها ألون جين حول هذا الموضوع، والتي  كشف خلالها الأهداف الحقيقية لهذا المشروع، ولا يغير من ذلك تضمين الطبعة الجديدة بعض الشذرات التي منعت في طبعات سابقة، مثل الحديث عن رائحة جثث الجنود المصريين والترفع الاستعلائي للمتحدثين على الجنود الإسرائيليين الشرقيين، فيما يبقى السؤال الذي يقلق الكثيرين هو لماذا يتم إخفاء هذا الكم من الشهادات المتعلقة بجرائم الحرب عن الجمهور، ولماذا الإبقاء على مكان وجود هذه التسجيلات طي الكتمان.

* صحافي من الداخل الفلسطيني (1948). - aboirshed@hotmail.com