2018-08-30

الأزمات والمحرمات والفكر الاجتماعي في حركة "فتح" (2/2)


بقلم: بكر أبوبكر

في الجزء الاول تحدثنا باقتضاب عن أهم ازمات مرت بها الأمة منذ بداية القرن العشرين والحقناها بالمحرمات الاسلاموية الخمسة وصولا للعلمانية الاسلامية، ومعالجة كل هذه الأفكار، ونواصل مع صراع المصطلحات والهوية.

في صراع المصطلحات والتنظير كان للمفكر العربي الفلسطيني خالد الحسن (1928-1994) ردا مُفحما عام 1988 حينما واجهه الطلاب الفلسطينيون الفتحويون بالسؤال: لماذا يعيب علينا "اليسار" الفلسطيني بأننا لسنا يساريين؟ (أي لسنا تقدميين بل نحن رجعيين كما يصفوننا) فقال: لا علاقة لنا بتعريفات الآخرين ولا تلزمنا.

وأضاف رددوا ورائي: اللهم اجعلنا من أهل اليسار في الدنيا ومن أهل اليمين في الآخرة!(حيث قصد ب"اليسار" معنى اليُسر أي يُسر المعاملة واليسر بمعنى الغنى غنى النفس والمال، و"اليمين" استنادا لآية: من اوتي كتابه بيمينه... فهو في جنة عالية) فاختط تعريفا مختلفا لليمين واليسار مرتبطا بحضارتنا العربية الاسلامية بفهم ثوري فتحوي حضاري.

وفي ذات السياق كان ياسرعرفات يتعمد في خطاباته، ولحقه بذلك أبومازن والقادة، الاستناد للحائط الحضاري الذي يجمعنا كمسيحيين ومسلمين ليؤكدوا الانتماء الروحي الأصيل فلم تخلُ اي من كلماتهم من الاستشهادات بالآيات القرآنية او أقوال الرسول او المسيح عليهما السلام.

ولك ولنا أن نفهم التعريف بأي مصطلح تريده، ولكن الثورة الفلسطينية بالاجمال وحركة "فتح" (والامة العربية وثوار العالم من ورائنا) تريد لفلسطين التحرر من الاحتلال والاستعمار أولا لبناء دولة ديمقراطية مدنية لاحقا تقف فيها الدولة على مسافة واحدة من كافة الاديان اوالطوائف أو الآراء أو التوجهات.

اما فكرة الاممية او العالمية لدى التنظيمات عامة وخاصة الأيديولوجية فهي فكرة جامعة لكل الافكار الايديولوجية سواء تلك الشيوعية أو الاسلاموية (يسمونها الدولة الاسلامية أو"الاستاذية" على العالم لدى الاخوان المسلمين) او الرأسمالية الامبريالية والتي ترى نفسها على قمة العالم، وهي الأفكار التي نعتقد أنها اليوم تخفت تدريجيا في ظل الفهم المنفتح والعالم الرحب مع تقارب المسافات الكترونيا، والذي يرى في الحضارات تلاقحا وتفاعلا وليس تناحرا واقتتالا وصراعا بل وصداما كما الحال مع  المفكر "صموئيل هنتنغتون".

الهوية الوطنية الفلسطينية..
كانت النكبة عام 1948 على الفلسطينيين نكبة بحق، إذ اقتلعوا من جذورهم ومن أرضهم التي عاشوا فيها بلا انقطاع لآلاف السنين منذ اجدادهم الكنعانيين واليبوسيين واللخميين والفلستيين وغيرهم من القبائل العربية، ولم يتركوا بقعة صالحة للزراعة فيها الا فلحوها وكما لاحظ اليهود أنفسهم حينما قدموا لاستعمار هذه الأرض فتفاجأوا كل المفاجاة أنها مفلوحة أو بصدد الفلاحة ما يكذب -كما قال المفكر اليهودي "أحاد هاعام"- أنها أرض بلا شعب لشعب بلا أرض، كما كانوا يفترون، عدا عن أن اليهود في العالم لا ولم يشكلوا شعبا أوقومية مطلقا، وما كانت قبيلة بني اسرائيل العربية المنقرضة الا قبيلة آمن جزء منها بالتوحيد، وآمن غيرها، ولا صلة قومية أو صلة دم لمعظم يهود العالم اليوم بها.[9]

المهم أن النكبة كانت أشد وطأة على الفلسطينيين مما يسميه الاسرائيليون اليوم المحرقة أو"الهولوكوست" إنها ان جاز التعبير الكارثة والبطولة وهي "الهولوكوست" الاكبر، ولكنها مع كل ذلك عكست نفسها سلبا لفترة، ثم تحولت لبراكين أعادت تشكيل الهوية الوطنية الفلسطينية من خلال 3 مفاهيم رئيسة أسهم بتشكلها ]المخيم[ فلكي يخرج الفلسطينيون من أسر الحاجة والفاقة والتشرد وعيون الغضب او العطف او الريبة أو الشفقة اتجهوا للعلم فأصبح الفلسطيني لا يقبل الا بالشهادة العلمية، فغزوا العالم بالعلم حتى اليوم.

وآمن الفلسطينيون بضرورة عدم الاعتماد فقط على وكالة غوث اللاجئين فاتجهوا لاعمار البلاد العربية وخاصة الخليجية وكانوا بذلك روادا، وفي المخيمات ومنها انتشرت مختلف الأفكار القومية والشوعية والاسلاموية، ولاحقا الوطنية لحركة "فتح"، فتشبث الفلسطينيون بقصبة النجاة من خلال هذه التنظيمات للعودة للوطن، لذلك نشأت الهوية الوطنية العربية الفلسطينية متسلحة بالعلم ومتسلحة بالعمل ومتسلحة بالنضالية، وهو ما يمثل طبيعة العربي الفلسطيني اليوم ومساحة تميزه الواضحة.

تجريبية حركة "فتح"..
حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" هي حركة ضد التسلط والاحتلال، وهي حركة تجريبية واقعية رفضت تبني أي من الفكرانيات (الأيديولوجيات) الكبرى مع انطلاقتها وركزت على فلسطين، واتخذت من تأجيل الطرح الاجتماعي مبدأ الى أن شغلت لها مقعدا داخل الوطن، فتعاملت مع المتغيرات وطرحت مشاريعا في إطار مؤتمراتها وفي سياق التطبيق عبر السلطة.

ان حركة "فتح" اتخذت كما نردد دوما من مفهوم الوطنية مجال تخصيص وتركيز واولوية لفلسطين القضية على ما سواها، وجعلت الانخراط في كيان موحد للشعب سعيها ما يكرس الوحدة الوطنية، وكان لها في التشاركية وعلى رأسها الديمقراطية مسارا اتخذ شكل ديمقراطية غابة البنادق كما كان يسميها ياسر عرفات، ونضيف الى ذلك الاستقلالية برفض الاستتباع لأي نظام والعقلانية بتبني الوسطية والاعتدال والتقدمية.

ومنها هنا أصرت الحركة على رفض ما أسمته (القردية)[10] أي تقليد الآخرين وقالت بتبنيها للنظرية العلمية الواقعية.

المفكرالفتحوي عثمان أبوغربية في فكرته الاستقطابية التي رآها للحركة جعل من النقاط الخمس التالية هي المجال والفكرة.
1-    الوطنية نقيض للكينونة الاحتلالية.
2-    أولوية خط التحرير.
3-    التطور حسب الظروف.
4-    العدو ليس دين أو قومية بل الاحتلال.
5-    ثورتنا عربية انسانية تقدمية.

وفي إطار النظام الداخلي فإن حركة "فتح" تظهر بوضوح أنها ديمقراطية تقبل التعددية مع الآخرين، وان اعتمدت المركزية الديمقراطية في بنائها الداخلي، فالنظام يتيح لأي شخص عربي او غير عربي الانضمام للحركة، وان لم يكن من شروط للعربي فهو كالفلسطيني فإن هناك شروطا ترشيحية للأجنبي.

"فتح" والاقتصاد والاجتماعية الديمقراطية:
كانت أهم الركائز التي اعتمدت عليها الحركة منذ المؤتمر السادس هي أولا: الاعتماد على الذات والتأهيل والتمكين، وثانيا: التحرر من التبعية الاقتصادية للاسرائيلي، ثم ثالثا السعي لتحقيق شراكة قطاعات العام والأهلي والخاص، وذلك في سياق ما طرحته الحركة من تشجيع للاستثمار والمشاريع الصغيرة والتسويق للمنتجات والعمالة عربيا، وانشاء مناطق صناعية.

الى ذلك شغل الحركة دوما في الإطار المجتمعي كما أشار عثمان أبوغربية فكرة العدالة وفكرة الحرية معا، وهما من الأفكار الثابتة في سياق الفهم (الديمقراطي الاجتماعي، اوالاشتراكي الديمقراطي)[11] وذلك نابع من أن هذا المبدأ يحقق التعددية الثقافية، ويرفض الهيمنة على السوق، ويعمل على تجاوز أولوية السياسة والايديولوجيا على المجتمع والفكر والمعرفة، كما انه يُعلي من قيمة العنصر البشري والسوق لخدمته وليس العكس.
 

بين المؤتمر السادس 2008 والسابع 2016 طرحت المشاريع الاجتماعية ضمن وثيقة البناء الوطني فجمعت من المؤتمرين بعض النقاط مثل: احترام الحريات الفردية والخصوصية، والتحرر الكامل من الاحتلال ما هو حقنا الثابت، وركزت في الشان الاجتماعي خاصة بالمؤتمر السابع على مضامين التحرر على حساب فكرة الحرية، مثل التركيز على وحدة الشعب ورفض المستعمرات، والى ذلك أكدت حركة "فتح" بالسابع: ان الحركة وطنية تقدمية ديمقراطية خالية من التمييز العنصري الجندري.

وفي سياق الفكر الاجتماعي ومن كلمة الرئيس في المؤتمر نرى أنه أكد على كثير نقاط أبرزها برأينا 7 نقاط هي:
1-    دعم الصمود (القدس والاسرى والخارج وذوي الاحتياجات الخاصة)
2-    مواءمة القوانين عالميا
3-    الحريات ومنها المجتمع المدني، وحرية العبادة، والمرأة
4-    وأكد على الوحدة عبر سلطة واحدة وسلاح وقانون واحد
5-    واشار للاقتصاد الوطني الحر، وحماية الاستثمار
6-    فك الارتباط مع الاحتلال
7-    قطاع عام وخاص (وتاكيد على الصناعة والتميز والفن والمناخ والتنمية المستدامة والتعليم).

 يمكننا أن نرى ختاما أن حركة "فتح" في نطاق المشاركة فهي تؤمن بالمواطنة الكاملة للجميع بغض النظر عن الدين او الطائفة او الجنس او الرأي، كما انها تؤمن بالمجتمع المدني الديمقراطي، وبالممارسة الانتخابية الديمقراطية النسبية.

اما في شكل النظام السياسي فتراه برلمانيا ورئاسيا، وعن المرأة ترى الحركة أن حقها بالتعليم والعمل لا نقاش فيه، فهو واجب على الحكومة والمجتمع ودون تمييز كما تؤكد على حمايتها، وحقها بالشؤون السياسية على قدم المساواة.

واستطاعت الحركة أن تحدد نسبة للمرأة في المواقع الحركية (حصة/كوتا) هي 20% وبصدد رفعها لاحقا.

ونخلص الى أن الفكر الاجتماعي الذي كان مؤجلا في بدايات حركة "فتح"  تعاملت معه في مرحلة السلطة، وتعاملت مع الاقتصاد المشوه والتابع في محاولات انفكاك لم تنجح حتى الآن، وكانت الفكرة الرئيس هي وحدة الارض والشعب والتحرر من الاحتلال والاستعمار، وخاضت الحركة جدلا طويلا ومخاضا فكريا  تجريبيا لتتبنى تبنيا صارما الديمقراطية والدولة المدنية دولة كل مواطنيها بما تتضمنه من حرية ومساواة وعدالة واحتكام للقانون.


الحواشي..
[9]  لمراجعة الكُتاب اليهود أرثر كوستلر عن أصل اليهود، وشلومو ساند في كتابه أسطورة اوخرافة الشعب اليهودي واكذوبة أرض "اسرائيل"، ولمراجعة علماء الآثار الاسرائيليين زئيف هرتزوغ واسرائيل فنكلستاين وسبيلبرغ،  والعرب امثال فاضل الربيعي وفرج الله صالح ديب واحمد الدبش وزياد منى وغيرهم الكثير الذين اثبتوا عدم صحة الرواية التوراتية وأكاذيب الكهنة والصهاينة.
[10]  ورد هذا المصطلح في ادبيات الحركة للعام 1969
[11]  بعض المفكرين يفرقون بين الاجتماعية الديمقراطية والاشتراكية الديمقراطية-وهي المؤسسة العالمية التي انضمت لها حركة فتح- الا اننا نقترح اعتماد الفكرة في سياق انها "الاجتماعية الديمقراطية"، وللعلم فإن ما يسمى الاشتراكية العلمية (الشيوعية) لا ترى في الاشتراكية الديمقراطية الا الابن الضال، فهي اي الشيوعية لا تعترف بالديمقراطية وتقر هيمنة الحزب الواحد ما جلب الاستبداد والمركزية المطلقة وكان الافتراق بين الفكرتين كبيرا.

* الكاتب أحد كوادر حركة "فتح" ويقيم في رام الله. - baker.abubaker@yahoo.com