2018-08-29

بين الضفة وغزة..!


بقلم: خالد معالي

في الخلافات والصراعات، تأخذ دوما الحرب النفسية قسطا وافرا في تشويه الخصم وتبخيس بضاعته، وتشتد الخلافات بشن حرب نفسية قاسية مع اقتراب حل جزئي او كلي، لكل مشكلة من بين مشاكل كثيرة، كانت تعتبر مستعصية في السابق.

ما اكثر تعقيدات المرحلة، ومن يجيد قراءتها بالشكل الصحيح يخرج من بين حقل الغامها بأقل الإصابات، ومن يغالط سنن الكون، يخرج مصابا مثخنا بالجراح وقد لا يرى العافية بعد ذلك نتيجة لقراءة خاطئة، قد يقع فيها، والنماذج من حولنا كثيرة لمن اراد ان يفهم ويعرف حقيقة المستجدات وتعقيداتها.

من حق من قاوم؛ ان يحدد متى يواصل ومتى يتوقف في جولات الصراع الكثيرة، فهو ادرى بحقيقة وواقع الامور التي يعيشها هو وحده دون غيره، وهو من سيدفع ثمن مواصلة المقاومة او ثمن بالتقاط الانفاس استعداد لجولات قادمة، وكل انجاز وتقدم يحسب للمقاومة لا لغيرها ممن يهاجموها.

طبيعي جدا، ان نقيض أي حالة، ان يهاجم وينتقد الحالة الأخرى خاصة مع وصول الامور لذروتها، لكن من يهاجم بعلمية وحقائق دامغة له تشد العيون، وترفع له القبعات احتراما، ومن يغالط ويفبرك لمجرد الخصومة فانه يخسر، فلا يصح ان ينطبق عليه اذا خاصم فجر، ففي ثروة الاتصالات والانترنت، وال "فيسبوك"، ما عاد يخفى على المرء شيء من دهاليز السياسية، وصحة ما يقوله القادة السياسيين هنا او هناك.

لو سألنا سؤالا: هل الظروف المحلية والاقلمية والدولية تلعب لصالح المقاومة حاليا، الجواب طبعا: لا، اذن لماذا يعيب البعض على مقاوم ان يلتقط نفسه استعداد لجولة قادمة، هي حتما قادمة سواء طالت ام قصرت، وما دام سلاح المقاومة في الحفظ والصون، فلا احد يخشى على المقاومة، ولا حياة مع الاحتلال مهما كانت الظروف تلعب لصالحه، كون الظروف وان كانت مواتية الآن, فإنها حتما غدا ليست مواتية.

لا يختلف اثنان على ان رص الصفوف، والمقاومة كالبنيان المرصوص تكون اجدى نفعا لو اتفق وعمل الكل الفلسطيني عليها، لكن لا يغيب عن احد مدى تعقيدات الحالة الفلسطينية، فلا فتح قادرة في الظروف الحالية التخلي عن "اوسلو"، بعدم استحكامه في كل المجالات، ولا حماس قادرة ان تقاوم دفعة واحدة: الاحتلال ودول الاقليم وأمريكا والغرب والتناقضات الداخلية التي تستنزف الطاقات والجهود.

صلاح الدين الايوبي سبق وعقد تهدئة وهدنة اكثر من مرة مع الصليبيين بحسب قراءته السياسية للمرحلة والتي اجاد قرائها جيدا، لتكون نهايتها تحرير القدس المحتلة وقتها من الصليبيين، فلا ضير في تهدئة او هدنة، ما دام سلاح المقاومة لا يمس ويبقى النفس فيه، فلا احد في هذا العالم يعترف بالضعيف، حتى وان كان صاحب حق، بل بالقوي.

يدرك الاحتلال ان غزة منهكة، ولكنه يدرك ايضا ان غزة حتى بحصارها قادرة ان تجبره على دفع احتلاله ومحاصرتها، فبضعة بالونات ومسيرات عودة، جعلت الاحتلال يفكر بالتخفيف عن غزة، ولكن حتى لو انتصرت غزة في جولة، فان الصراع طويل والجولات القادمة قد تكون أشد ولذلك لا بد من الجاهزية والاستعداد لمكر الاحتلال على طول الوقت.

الموضوع ليس موضوع ثقة بعدو، فهو معروف انه عدو تاريخيا ينقض وعوده واتفاقياته، واكبر دليل اتفاقية "اوسلو" التي بحسبها كان يجب ان تقام دولة فلسطينية خلال 5 سنوات، والذي اقيم مكانها دولة للمستوطنين.

الموضوع باختصار، هو موضوع تحرر بحاجة لنفس طويل وتخطيط جيد ومحكم، يستغل نقاط ضعف العدو، ويدخل من خلالها كي يحقق انجازات مرحلية، تكون بشكل تراكمي حتى دحر الاحتلال نهائيا عن الارض الفلسطينية.

المقاومة تخون ان عملت تهدئة،  ودمرت غزة ان واصلت المقاومة، كلام لا يصدر من عاقل، بل من حاقد لا يرى إلا بعين واحدة، فالمقاومة هي من تدفع الثمن من شبابها ودمائها، وهي ادرى بشعاب ودهاليس السياسة، وهي تقدر الامور بشكل جيد، ودفعت ثمن أي انجاز بالدم، ولا يصح ان يمثلها سوى أهلها من عرف بصدق مواقفه، وسيرته الحسنة، وصلابته امام عدوه وعدم التهاون في حقوق الشعب.

* إعلامي فلسطيني يقيم في بلدة سلفيت بالضفة الغربية. - maalipress@gmail.com