2018-08-28

بلد سارحة والرب راعيها..!


بقلم: المحامي إبراهيم شعبان

أحداث واعتداءات وسلب وحرق وتهجير وطعن وقتل تجري في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وبضائع فاسدة ومنتهية الصلاحية يروج لها ويسوق. ومطاعم تسمم روادها بلحمها الفاسد طمعا في الربح السريع. وبالكاد نخرج من حادث ماساوي حتى ندخل في آخرأشد مأساوية من سابقه، وندعو ونبتهل ونستعين أن يكون الحادث الأخير، لكننا نكون سذجا إلى درجة الهبل، حيث يلاحق الحادث القديم حادث جديد بل يطارده، وهكذا دواليك ندور في حلقة مفرغة من العنف المستمر الذي لا يتوقف طيلة العام.

المؤسف، أن من أنيط بهم مسئولية النظام والأمن يخرجون علينا ببيانات او تصريحات تؤكد بان الأمور مطمئنة أو أنها قيد المعالجة أو قيد التحقيق أو أنها ظاهرة عارضة أو أنهم بصدد تشكيل لجنة لدراسة الموضوع. ونسمع هذه الإسطوانة المشروخة صباح مساء، ومنذ ردح طويل من الزمن. ولا أحد يتقدم بحلول جذرية لاستئصال هذا العنف الذي بدأ يتجذر في فلسطين ويترك آثارا سلبية على جميع الأفراد والمنظمات والهيئات بل السلطة بحد ذاتها تغمض عينيها عما يجري. في دول كثيرة إذا فشل المسئول في موضوع ما، فإنه يقدم استقالته ويمضي، ولكن هيهات ان يتم ذلك عندنا فالكرسي صاحب سحر وسلطة.

كثيرون أثاروا وشخصوا موضوع العنف الفلسطيني المجتمعي، وما زالوا يثيروه، لكن المشكلة أن طارقي الخزان لا يجدون إلا الصدى والتمني. ولا يجدون جوابا شافيا، بل تتكرر الأحداث على كل الصعد وفي كل المناسبات، وتتصاعد الأحداث بل يظهر السلاح المحظور الذي يشكل تهمة جنائية، بشكل بيّن، ونستقوي على بعضنا البعض. وتنتعش العشائرية والقبلية وتموت الأخوة والوطنية. وكأن البلد سارحة بقوة الدفع الذاتية وربك راعي هذا البلد..!

في هذا المقال دعونا نعالج هذا العنف الفلسطيني الذي غدا ظاهرة في المجتمع الفلسطيني. أول الخطوات أن نعترف بوجوده ونسلم بقيامه وأن لا ننكره. دعونا من اسباب قيامه فهي كثيرة وهي يجب أن تعالج حتى يتم التخفيف منها قدر الإمكان، وتحتاج إلى علماء اجتماع ليقرروا اسباب هذه الظاهرة، التي ستقضي على مظاهر السلطة والعدالة في فلسطين. بكلام آخر لماذا لا يتم معالجة العنف بشكل سلطوي، بل لماذا لا نرى قوة سلطوية مقابل العنف الفردي؟!

اللهم لا حسد، فعندنا من رجال الأمن وأجهزته المتعددة، ما ينوف عن الحاجة الطبيعية. ويبدو لي ان موازنتهم لم تتأثر،  وألويتهم تزداد طرديا، ورواتبهم وتقاعدهم  وامتيازاتهم في ازدياد وليس في نقصان. صحيح أن هناك منافسة ضارة بين بعض هذه الأجهزة لكنها في النهاية تعمل جميعا لمصلحة الوطن بكل بقاعه ومناطقه.

لا يمكن ان نلقي مسئولية العنف الفردي على المجتمع  وعلى منظماته وهيئاته ورجالاته وقضاته وشيوخه لوحدهم، بل السؤال الآن لماذا لا تتحرك قوات الأمن وهم المسئولون أولا وأخيرا، بفعالية وقوة وتاثير حينما يرتكب العنف الفردي الفلسطيني من اي فرد مهما كانت صفته، بطريقة مماثلة لملاحقة قضايا الأمن العام أو الإرهاب مثلا أو التيارات السياسية المناهضة. نحن لا نفتقد لعناصر أمن مؤهلين لتنفيذ واجب الأمن تجاه من يخل به بل السؤال لماذا لا يتم الإلتجاء إليهم لمعالجة هذا العنف الفردي بشكل فوري . إن عدم ملاحقة أصحاب العنف الفردي فورا، يشجع الآخرين على ارتكاب ذات الفعل، دون خشية من مسؤولية جسدية أو مالية وحتى عائلية.

 لماذا نستخدم العشائرلحد اليوم في كل صغيرة وكبيرة من العنف الفردي، وما زلنا ونسير في ركابها، بدل أن نقيم سلطة القانون. لماذا يتم اللجوء إلى سلطة العشائر وقضاتها ويسير المحافظون في ركابهم بل كثير من المثقفين ورجال المجتمع. لماذا يتم دفع كل تلك الأموال كتعويضات من جانب دون آخر، بطريقة أقل ما يقال فيها أنها بدائية وتمثل نوعا من أنواع العقوبات الجماعية من اشخاص لا يملكون تأهيلا قضائيا، وكأننا نعيش في عصر الإنتقام والثأر الجاهلي.

بعد هذه الممارسات العشائرية يخرج المعتدي بريئا ولا يدفع فلسا واحدا، لا من جيبه ولا من صحته ولا من حريته، بل تدفعه عشيرته. ويبقى المعتدي حرا طليقا ليعتدي مرة تلو المرة دونما رادع. فحينما تضعف سلطة القانون وسلطة الردع فيه أو تختفي يلجا الأفراد إلى من يحققها لهم. فإذا كانت العشائر وشيوخها هي التي تحققها فيصبح ولاؤهم لها، ويبتعد هؤلاء عن ولاء الدولة بل يضيقون به ذرعا.

وإذا ضعفت قوة السلطة التنفيذية في إنفاذ حكم القانون، سينعكس حتما على ضعف السلطة القضائية بل ظهور عجزها. وبالتالي سيغيب القانون والعقوبة الرادعة لكل من تسول له نفسه ارتكاب العنف الفردي لأي سبب من الأسباب.

المطلوب من الأجهزة الأمنية ملاحقة مرتكبي أعمال العنف والمخالفات جميعا، ولو أتوا بصك عشائري يعفيهم من اية مسئولية أو تنازل عن حقوقهم الشخصية، فالحق العام لا يملك الأفراد التنازل عنه وهو باق يحاكم المعتدي باسمه. لكن هذا الأمر يجب أن يكون بسرعة وحسم وخلق انطباع فوري عن تحقيق الأمن الفوري بما يتفق مع قانون الإجراءات الجزائية. المهم أن تتصرف الأجهزة الأمنية كل حسب اختصاصها بشكل فوري ودون تأجيلات ودون واسطات.

يكمل هذا الدور أن تقوم السلطة القضائية بعد توجيه لائحة اتهام ضد مرتكب العنف الفردي والمخالفات، بمحاكمته بشكل رادع وتحقيق العدالة السريعة دون السماح لأعذار التأجيلات الفارغة من لعب دور في المحاكمة. هذا الأمر حيوي حتى يشعر من ارتكب العنف أن يد العدالة طالته، وحتى يشعر غيره أنه غير بعيد عن يد العدالة بل يدها طويلة.

جميع ممارسات العنف تحتاج إلى قرار سياسي، أي إرادة سياسية بل توجيهات سياسية غير موسمية، لتطبيق القانون بشكل فوري، من أدواته التنفيذية والقضائية  وبشكل فاعل. وبغير ذلك سنبقى ندعو وبتهل ونترحم ونتوسط علّ العنف لا يصيبنا ويبتعد عن اولادنا أو أحبابنا، وبعد ذلك نعجب لهجرة مواطنينا للخارج وهجرة هذا البلد بمن فيه بل نعجب لغياب سلطة القانون وضياع سيادة القانون وتسيد العشائر والعودة القهقرى..!

* الكاتب محاضر في القانون في جامعة القدس ورئيس مجلس الإسكان الفلسطيني. - ibrahim_shaban@hotmail.com