2018-08-27

انا دانيال يا أبي..!


بقلم: حمدي فراج

يمضي "محمد" من السيلة ستة عشر عاما في الاقبية، من أصل تسعة عشر، هي مدة محكوميته، قرر خلالها ان لا يسمح بأن تنطلي عليه اية أكاذيب، خاصة تلك التي تتعلق بقضيته الشخصية، قضية استهداف أرضه وشعبه منذ سبعين سنة المستندة الى اساطير الأكذبين منذ خمسة آلاف ىسنة، فليس هناك من قضية شخصية اكثر من هذه القضية التي يقضي من عمره ستة عشر عاما وراء القضبان بسببها، يقضيها بالساعات وربما بالدقائق، خاصة من انه مرتبط بقرينة عمره "رشا" التي قررت ان تسجن نفسها في انتظاره تسعة عشر عاما.

في لحظتين حاسمتين، من ليل السجن البهيم، اتخذ محمد قرارين صارخين، الاول ان يهرّب نطفته الى زوجته، والقرار الثاني: "عندما يأتي الصبي، بنصلي على النبي".

لم يكن القرار سهلا عليه وعلى زوجته من كل النواحي، وخاصة المجتمعية منها التي سرعان ما تسند رفضها لكل مبادرة او مغامرة او حتى رغبة ذاتية الى ما يمكن ان يفتي فيه رجال دين بالتحريم، لقد أكتشف محمد ذلك بنفسه، منذ ان نذر وقته للدرس والبحث والتمحيص، حتى وقت قريب كان الصعود الى القمر محرما وارسال البنت الى المدرسة محرما ومعرفة جنس الجنين  محرما ونقل الاعضاء لانقاذ حياة آخرين محرما، حتى انفجرت قوى ارهابية اسلاموية في الوطن العربي من مشرقه الى مغربه فأحرقت الاخضر واليابس، واصبح ذكر اسم العروس على بطاقة دعوة زفافها بدوره محرما.

لكن، ما ساعد محمد في اتخاذ قراره تهريب النطفة، انه ليس الاول فقد سبقه الى ذلك مئات الاسرى، ونجحت خمسون زوجة في تخليق ست وستين جنينا، لتصبح نطفة محمد ورشا هي السابعة والستين، ويأتي الصبي، بصحة جيدة، ويطلقون عليه اسم "دانيال"، وهو اسم نبي يهودي قامت اسرائيل بتسمية احدى مستوطنات بيت لحم باسمه، وبغض النظر عن اي شيء، بما في ذلك انه اسم كنعاني مرتبط باسم الاله "ايل" وتعني "امر الله" او "قضاء الله" تماما مثل بابل وتعني باب الله او بيت ايل وتعني بيت الله واسرائيل التي تعني غالب الله وعزرائيل التي تعني مساعد الله، فإن قرار محمد تسمية ابنه "دانيال" لم يكن اسهل عليه من قرار تهريب النطفة، انهما اصعب حتى مما قاله درويش عن حب الحياة "ما استطعنا اليها سبيلا"، بل ما استطاعا اليها مستحيلا، ليجده في انتظاره بعد ثلاث سنوات:  شكرا لك، تحديت انت وامي كل معوقات الاحتلال والعشيرة والشريعة  لكي انعم بالحياة. انا دانيال يا أبي.

* كاتب صحفي فلسطيني يقيم في مخيم الدهيشة- بيت لحم. - hamdifarraj@yahoo.com