2018-08-20

ترامب متصالح مع توجهاته..!


بقلم: عمر حلمي الغول

لم يكن الرئيس ترامب جاهلا، رغم كل رعونته وشعبويته، عندما إختار، أو وافق على المرشحين له لإدارة ملف الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بل كان يعي المهمة الموكلة له ولفريقه المتمثل بالرباعي: الصهيوني جارد كوشنير، صهره، وكبير مستشاريه، المتصهين جيسون غرينبلات، مبعوثه ل"لسلام" للشرق الأوسط، والباحثة عن دور مقابل الثمن، الشمطاء نيكي هيلي، سفيرة أميركا في الأمم المتحدة، والحريديمي الصهيوني المتطرف، ديفيد فريدمان، سفير أميركا في إسرائيل الإستعمارية، حيث لاحظ كل من راقب التناغم الهرموني بين هذا الفريق ورئيس الإدارة الأميركية في مختلف الخطوات، التي تم إتخاذها وترجمتها على الأرض، وتكامل خطواتهم ومواقفهم في نقل رؤية وسلوكيات الولايات المتحدة إلى مرحلة بلغت أعلى درجات الشراكة الكلية مع دولة الإستعمار الإسرائيلية في مخططها الإستعماري الهادف لتصفية القضية والمشروع الوطني الفلسطيني، وتبديد عملية التسوية السياسية ومرجعياتها الكلاسيكية، وفي السياق نهب علني لإموال دول النفط الخليجية، وإخضاعهم وإخضاع العرب عموما لمشيئة أميركا في بناء شراكة سرية أو علنية مع إسرائيل تحت ذرائع وهمية، وقلب معادلة الصراع رأسا على عقب.

وهو ما يحمل المرء، على الإستنتاج العلمي، الذي يتلخص بالآتي، أن الإفتراض بأن الفريق الرباعي المساعد للرئيس دونالد ترامب، هو الذي يديره، ويخطط له، وانه لا يحمل رأيا وموقفا خاصا به من هذا الملف أو ذاك،هو تقدير خاطىء، وفيه مجافاة للحقيقة والواقع. كما ان تقديرات البعض، الذين تعاملوا مع صاحب الشعر الأصفر، بأنه في حال ترك (ترامب) لوحده، يمكن التوصل لإتفاق سلام خلال وقت زمني قصير جدا فيه عدم دقة ايضا. لان من يعود لمراجعة مواقف وتصاريح الرئيس ترامب تاريخيا، وأثناء حملته الإنتخابية، يصل إلى ان ما تبناه من مواقف، لم يكن تبنيا إعتباطيا أو ساذجا، انما يقوم وفريقه الرباعي بتنفيذه بشكل حرفي، وبما ينسجم مع التحولات الدراماتيكية في مسار الولايات المتحدة السياسي والإقتصادي والقانوني والثقافي والديني. وبالتالي لم يكن الإعلان عن صفقة القرن، والبدء بتصفية ملف القدس، وثم ملف اللاجئين، وفي السياق تصفية وكالة غوث وتشعيل اللاجئين (الأنروا)، وإطلاق يد إسرائيل الإستيطانية الإستعمارية، وإغلاق ممثلية فلسطين في واشنطن، وحجب أموال المساعدات عن موازنة السلطة الفلسطينية .. غيرها من الملفات ناتج عن عفوية وإرتجال، انما عن سابق إصرار وتصميم، ووفق برنامج ومخطط معد بشكل دقيق.

وعليه فإن هذا التحول النوعي في السياسة الأميركية تجاة مركبات الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، لم يكن نقلة إعتباطية، أو نتاج ردة فعل، أو لمجرد حسابات إنتخابية سابقة أو لاحقة، أو حتى لإن الفريق الرباعي أثر في رؤية ملك العقار الأفنجليكاني. أنما هو نتاج تحول سياسي وإقتصادي وثقافي وديني في تطور الولايات المتحدة، عكس نفسه في بلوغ النيو ليبرالية مرحلة أكثر توحشا، وتناقضا مع القانون الدولي ومواثيق الأمم المتحدة وحقوق الإنسان، ومع روح الإتفاقيات الدولية والثنائية، التي ربطت أميركا بالدول الأخرى بما في ذلك مع حلفائها الإستراتيجيين داخل المعسكر الرأسمالي الغربي الكلاسيكي.

كما انه إرتبط بإهتزاز مكانة الولايات المتحدة الدولية، وتراجع مكانتها كقطب وحيد في المنظومة الدولية، وإعتقاد الحكومة العالمية، حكومة طواغيت رأس المال المالي الممسكة بمقاليد الأمور في بلاد العم سام خصوصا والعالم عموما، انه آن الآوان لإعادة فك وتركيب منظومة العلاقات الدولية بما يحافظ على مكانة أميركا، بإعتبارها القوة المركزية في العالم، ودون ذلك، تصبح ركائز النظام العالمي، الذي تشكل في أعقاب الحرب العالمية الثانية 1945، ومرحلة ما بعد إنهيار المنظومة الإشتراكية والإتحاد السوفييتي مطلع تسعينيات القرن الماضي منتهية ولاغية، ومرفوضة أميركيا، وهو ما يفرض بناء منظومة أممية تخضع لطواغيت المال العالمي وخاصة المال اليهودي الصهيوني (آل روتشيلد وروكفلر.. وغيرهم).

وللإنتقال نحو عالم جديد مغاير لما سبقه، تملي الضرورة خلط الأوراق العالمية كلها، وتصفية الأمم المتحدة بتركيبتها ومنظومتها ومواثيقها وهيئاتها القائمة، وكذلك هدم جدران المعبد الرأسمالي القائم، وإعادة تشكله بما يتوافق وأهداف الحكومة العالمية، وايضا تفكيك كل إتفاقية دولية أو ثنائية بين أميركا وأي من الدول الأخرى، أي كانت درجة تحالفها مع بلاد راعي البقر بإستثناء دولة الإستعمار الإسرائيلية، التي سيوكل لها مهمة هدم المنظومة الكونية كلها يدا بيد مع إدارة الرئيس ترامب. وهو ما فرض ضرورة تلازم ومواءمة الخطاب السياسي الرسمي للمؤسسة الأميركية الحاكمة مع جذور المشروع الصهيوني، والعمل بشكل حثيث لمتابعة المخطط الضيق المتعلق بالسيطرة الكاملة على ثروات وشعوب ودول الأمة العربية والشرق الأوسط الكبير، ولتحقيق ذلك يتوجب تصفية القضية الفلسطينية، وتعزيز مكانة إسرائيل الإقليمية، من خلال تسيدها الفعلي على إقليم الشرق الأوسط الكبير، وبالتلازم مع ذلك، التدمير المنهجي للنظام العالمي برمته إن إستطاعت بلوغ ذلك.  وبالتالي الرئيس ترامب هو الشخص المؤهل نتاج جملة مواصفات سياسية ومالية ودينية وثقافية لتحقيق ما تصبوإليه الحكومة العالمية. والمستقبل المنظور سيميط اللثام عن مستقب القضية الفلسطينية والعالم على حد سواء.

* كاتب فلسطيني يقيم في مدينة رام الله. - oalghoul@gmail.com