2018-08-16

اسئلة مشروعة عشية الهدنة طويلة الامد مع اسرائيل..؟


بقلم: د. هاني العقاد

وصلت المعاناة الفلسطينية في غزة الى الذروة التي معها لم يعد الانسان العادي  يستطيع توفير لقمة العيش ولم يعد يستطيع الصبر اكثر من ذلك، وهو لا يطلب حقوقا سياسية ولا وطنية لأنه وصل لمرحلة اكل الخبز اليابس والماء، وهو ما يعني وصوله الى مرحلة  الصدمة.. لا يستطيع ان يرفع وجهه في وجه أبنائه المحرومين من المصروف اليومي للمدرسة، ولا يستطيع ان يستمر في الثورة والنضال والمقاومة اكثر من ذلك، فلا جائع يقاوم وينتصر ولا محروم من مساواة في بلده يعتقد ان النصر قادم.

"حماس" لا تريد ان تتدحرج الامور لمواجهة كبيرة تخسر فيها الكثير وتجبر في النهاية على توقيع هدنة طويلة الامد تحت ضربات الاحتلال وتدمير ما تملكه من قوة استراتيجية تحفظ كيانها بين الفصائل الفلسطينية والتفوق الاستراتيجي، لهذا فان "حماس" تريد ان تنتهي ازمات غزة كاملة وتحقق من خلال ذلك مكاسب سياسية واستراتيجية لتبرهن لأبناء الشعب الفلسطيني المناصرين والخصوم انها حققت لهم الكثير اخيراً وصبرهم على الحصار والفقر والجوع والعطش والحرمان كان وقودا لهذا النصر.

مع وصول كل الفصائل الفلسطينية القاهرة ودخول الراعي المصري لمرحلة تجهيز الاتفاق فان الهدنة طويلة الأمد باتت قريبة وخاصة ان رئيس المخابرات المصرية وصل امس الى تل ابيب ورام الله  لوضع اللمسات الاخيرة على اتفاق الهدنة والمصالحة الفلسطينية وبدء مفاوضات بين "حماس" واسرائيل لصفقة تبادل. ومع هذا التقدم في الحراك من اجل التهدئة طويلة الامد تبرز امامنا اسئلة مشروعة من سيوقع على اتفاق الهدنة والفلسطينيين باتوا طرفين يحشد كل منهما ضد الاخر..؟ وهل ستشمل الهدنة مسيرات العودة والمقاومة الشعبية بغزة ويمنع بعد ذلك حتى التجمهر على الحدود والاحتجاج..؟

ولابد من سؤال مشروع آخر: هل تكون الهدنة التي يخطط التوصل اليها مقابل تخفيف الحصار ام رفعه بالكامل..؟ واذا كان المعنيون بالأمر يقولوا ان رفع الحصار سيكون كاملا ويحقق لشعبنا مكاسب كبيرة،فلماذا نوافق على ربط غزة بميناء الاسماعيلية ومطار العريش..؟ والى متى..؟ ولماذا لا يكون لغزة مطار وميناء تديرهما السلطة الفلسطينية التي ستعود للقطاع..؟ هل بتنا في الحضن المصري وضمن الاحتلال الإسرائيلي الهدوء لأكثر من عشر سنوات ونفض يديه من ازمات غزة ومسؤوليته عن ما وصلت اليه والجرائم التي ارتكبها..؟

اذا كانت مصر تسعى للوصول الى اتفاق يضمن عودة السلطة الفلسطينية الى غزة دون معارضة من "حماس" او دون بقاء "حماس" متنفذة في مقاليد الحياة الادارية والسياسية في القطاع، فلماذا يتم طرح ربط ميناء غزة بالإسماعيلية واعتماد مطار العريش بديلا عن مطار غزة الدولي؟ الا اذا كان هذا اجراء مؤقت على ان تبدأ عمليات اعادة اعمار مطار غزة الدولي  و تطوير ميناء غزة فورا  ليكون صالحا لاستقبال البضائع والسفر ولا اعتقد ان هذا مطروح في الاتفاق.
 
ثمن الهدنة طويلة الامد قد لا يكون كبيرا لأن ما يدور هو تخفيف الحصار وليس رفعه تماما وربط الاقتصاد الغزي بمصر واعادة الحكومة الفلسطينية لغزة كمرحلة اولى للتهيئة لإعادة اعمار غزة وإدخال البضائع وتنسيق المشاريع الانسانية لغزة وضخ الاموال اللازمة لتحريك العملية الاقتصادية وانشاء المشاريع الضرورية لخفض ازمات غزة فيما يتعلق بالمياه الكهرباء  وثمن تلك المشاريع والبحبحة الاقتصادية وادخال الاموال، قد لا يكون الهدوء ونزع فتيل الانفجار الذي حذر منه الكثيرون في غزة الثمن، واخشى ان يكون ذلك ممرا اوليا واجباريا رسمته كل من امريكا والامم المتحدة واشرفت عليه اسرائيل ومصر كمدخل لـ"صفقة القرن" التي هي الآن في مرحلة التطبيق الاجرائي بعد ان ضمنت واشنطن اخراج كبري القضايا عن طاولة الصراع وهي القدس واللاجئين التي لن تطرح في أي مفاوضات قادمة.

اذا كانت مصر تركز الآن على صفقة رزمة اولوياتها المصالحة الحقيقية كضامن لوقف تهديد اسرائيل بحرب قاسية على غزة فانها ستنجح، وهذا ما بات واضحا لأن مصر تسعي الى رزمة  صفقة متدرجة تتحقق عبر مراحل قسمتها الى اربع، تبدأ بمرحلة المصالحة الفلسطينية والهدنة طويلة الأمد وصفقة التبادل والمشاريع الانسانية. ولعل المخابرات المصرية لا تعمل لوحدها في هذا الملف، فالأمم المتحدة حاضرة من خلال ميلادينوف وامريكا اعطت الضوء الاخضر لتسير مركبة المصالحة وتستقر المنطقة وتنتهي ازمات غزة. وهنا يظهر سؤال كبير ومشروع: هل لهذا علاقة بالمبادرة الامريكية التي تعمل امريكا اليوم على تحسينها ووضع اللمسات الاخيرة لتعلن عنها في القريب العاجل؟ مهما كانت العلاقة فلا احد يستطيع استدراج الفلسطينيين للصفقة بهذه الطريقة اذا ما كانت غزة في حضن الشرعية ومن يتحدث في مستقبلها منظمة التحرير  وليس "حماس" او غيرها وبالتالي يكون القول الفصل بيد "م.ت.ف"  واعتقد ان كافة الاطراف التي تطبخ اليوم تعتقد ان الهدنة طويلة الامد والمصالحة الفلسطينية ورفع الحصار وليس تخفيفه بات المطلب الرئيس لتعمل أي افكار لإنهاء الصراع، اما  الأسس والمرجعيات لأي افكار وأي حلول لاي مبادرات فلن يحددها الا الفلسطينيين وليس غيرهم لان اي مبادرات لا تستند  للشرعية الدولية وقرارات الامم المتحدة ومبادرة السلام العربية غير المعدلة والحقوق المتساوية والدولة المستقلة وعاصمتها القدس على كامل الارض الفلسطينية من ضمنها غزة وحل كامل وشرعي لقضية اللاجئين فان هذا يعني استمرار الصراع ومعه استمرار المقاومة الشعبية التي يجب ان تستمر وتتطور على كافة الاصعدة وبكافة الاشكال في كل الجغرافيا الفلسطينية المحتلة بدءً من غزة حتى جنين مرورا بالقدس ونابلس ورام الله وبيت لحم وطولكرم والخليل وكل المدن والقرى الفلسطينية المحاذية للتجمعات الاستيطانية.

* كاتب فلسطيني يقيم في قطاع غزة. - dr.hani_analysisi@yahoo.com