2018-08-16

أصنام الفوضى الخلاقة و"صفقة القرن"..!


بقلم: د. أحمد جميل عزم

يمكن الإشارة إلى حالة "توليد" المصطلحات، والتسميات، الكبرى، وصناعة العناوين في السياسة، وخصوصاً السياسة العربية؛ حيث يحلو للبعض ترديد تعبير أو اسم ليختزل مرحلة سياسية، ويصبح الاسم فزّاعة لطرد "الأشباح"، ومنطقا لتفسير الأحداث، من دون أن يدقق أحد في مدى وجود المصطلحات، ومعناها، ويمكن الإشارة لثلاثة نماذج عربية وفلسطينية، هي الفوضى الخلاقة، و"صفقة القرن"، ومؤتمر كامبل بنرمان.
 
هناك كتب كاملة، بالعربية، عن الفوضى الخلاقة، ودخل المصطلح في تعبيرات السياسيين العرب الرسمية، وطبعاً دخل في أحاديث عشاق نظرية المؤامرة، وخطاب الأجهزة الأمنية الرسمية، فالمصطلح بالنسبة لكثيرين، هو وصفة سحرية لتفسير حالة الفوضى والانقسام والصراعات التي تمر بها دول عربية منذ العام 2011، وأيضاً لرفض التغيير والإصلاح. هو أشبه بتفسير غيبي لحقائق بشرية وطبيعية معقدة، للهرب من التفسير العلمي، أو للهروب من الاعتراف بالأخطاء. فإذا خرج مجموعة شباب يحتجون على سلطة ما، أو خرج معلمون يطالبون بتعديل أجورهم، أو خرج موظفون يطالبون بقانون ضمان اجتماعي مختلف، كان أفضل مهرب للأجهزة الأمنية والحكومية، وأنصارها، القول إنّ هذا جزء من مؤامرة الفوضى الخلاقة. وعند الاستفسار عن المقصود بهذا المصطلح، سيشير البعض إلى أنّ هذه خطة أميركية، لنشر الفوضى في العالم العربي، وفي أحسن الأحوال سيُشار إلى أنّ وزيرة الخارجية الأميركية السابقة، كوندليزا رايس، هي صاحبة المصطلح، وأنها استخدمته في مقابلة مع "واشنطن بوست"، وقد تتبعت هذا المصطلح في مقال سابق، وشرحت عملية البحث المتكررة التي قمت بها مع طلابي في مرحلة الدراسات العليا في الجامعة، وأنّه تأكد أن رايس لم تستخدم المصطلح خصوصاً، في واشنطن بوست. ويكابر البعض أنّ مضمون السياسة الأميركية يدل على المصطلح، والواقع أنّ هذا غير دقيق، فربما قالت رايس مرة إنّ حدوث فوضى في سياق عمليات الحركات الاحتجاجية التي شهدها العالم العربي أو مناطق أخرى في العالم شيء طبيعي، إلا أنها لم تستخدم تعبير الفوضى الخلاقة، وسياسة الولايات المتحدة، خصوصاً المدرسة الفكرية التي تنتمي لها رايس، تريد الحفاظ على الأنظمة الموالية والحليفة أو التي تم التفاهم معها، لا التحضير لثورات عليها.
 
ومصطلح آخر شبيه، هو "صفقة القرن"، للحديث عن السياسة الأميركية في الشأن الفلسطيني، وقد أشرت في مقال الأسبوع الفائت، كيف تطور المصطلح وأنّ من استخدمه هو الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، ثم ساد في الخطاب الفلسطيني والعربي، ولم يستخدمه أي مسؤول أميركي، وأن السياسة الإسرائيلية، ترفض أي فكرة لأي صفقة نهائية، أو كبيرة، وتريد تجزئة القضية من دون صفقات، (وخطة السلام الأميركية المزعومة هي فكرة استخدمها مسؤولون أميركيون للإيهام أنّ شيئا كبيرا قد يُطرح قريبا)، ولكن المصطلح يساعد على توليد شبح سياسي يجري قتاله، فيما المُخطط الحقيقي هو فرض أمر واقع مادي جديد على الأرض، ومواجهته تكون على الأرض.
 
وهذا يُذكّر أيضاً بمقولات مثل موضوع مؤتمر كامبل بنرمان، الذي يردد سياسيون وكُتّاب أنه مؤتمر للدول الاستعمارية استغرق عامين كاملين في لندن بين العامين 1905-1907، (من دون أن يتوقف أحد عند أنه لا مؤتمر يستمر هذه الفترة)، واتُفق فيه على تأسيس إسرائيل لضرب الوحدة العربية، ومع الإقرار أن إسرائيل مشروع استعماري، فإنّ المؤتمر نفسه لا يوجد دليل أنه عقد، وقد أوضحت في الماضي نتائج أبحاث أنيس صايغ الممتدة والطويلة التي لم تؤد إلا الى إضعاف أي دليل على وجود هذا المؤتمر، ومؤخرا قام محسن صالح ببحث جديد معمق في الموضوع، وهو أيضاً لم يجد أساسا تاريخيا ماديا مقبولا لذلك.
 
وكامتداد لمثل هذه التفسيرات التبسيطية، يمكن الإشارة لمن يرى في انهيار الليرة التركية، مؤامرة، أو مقدمة لانهيار الإسلام، كما جاء في بعض وسائل الإعلام في الأيام الفائتة.
 
يبدو أنّ ظاهرة اختراع أحداث ومسميات لوصف مرحلة سياسية، والإصرار عليها تفسيراً للحدث السياسي، امتداد للبحث عن كائنات خارقة لتفسير ظواهر طبيعية، وهو سلوك يريح من التفكير، ومن المواجهة الحقيقية للتحديات.

* مدير برنامج ماجستير الدراسات الدولية في معهد ابراهيم أبو لغد للدراسات الدولية في جامعة بيرزيت. - aj.azem@gmail.com