2018-08-15

المقاطعة موقف مسؤول ... هل تعيد القطار إلى سكته؟


بقلم: د. منذر سليم عبد اللطيف

 لقد بات معروفاً ومنذ زمن طويل تفرد حركة "فتح" بالإمساك بمقاليد السياسة والسلطة الفلسطينية، بكل مفاصلها. وقد يكون ذلك طبيعياً إذا ما أخذنا بالاعتبار حجم "فتح" ودورها التاريخي، إضافة إلى قياداتها الأولى التي لاقت احتراماً واسعاً، وكذلك استئثارها برئاسة منظمة التحرير الفلسطينية (الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني) منذ عام 1969، وانعكاس ذلك على علاقاتها العربية والدولية.

وبالرغم من مقاطعة بعض فصائل منظمة التحرير (أحياناً) لأعمال بعض اجتماعات المجلس الوطني أو لجانه، إلا أن المنظمة بشكل عام كانت جامعة لكافة التنظيمات الفلسطينية المنضوية تحتها، ولم يشكك احد في تمثيلها للفلسطينيين على مدار عقود، حتى بالرغم من بروز بعض القوى الحديثة غير الممثلة فيها. وفي نفس الوقت، لم تحاول أية جهات منفردة أو مجتمعة إنشاء جسم بديل أكثر تمثيلاً، ويلبي رغباتها وحاجاتها.

إن استئثار حركة "فتح" على المؤسسة التمثيلية الفلسطينية جعلها تتمكن من تمرير رؤيتها السياسية في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بما في ذلك اتفاق أوسلو. لكن مع مرور ما يزيد عن خمس وعشرين عاماً من المفاوضات والانتكاسات والصراع حول تطبيق ذلك الاتفاق أوسلو تبين للجميع أن المشروع الوطني الفلسطيني أصبح أبعد بكثير عن تحقيق أهدافه، فقد ازداد الاستيطان في الضفة بما يقرب من 500% (نعم خمسمائة في المائة) في الضفة الغربية، التي تلاشت مساحتها بشكل كبير، وفي طريقها لفقدان التواصل الجغرافي بعد إكمال مشروع الربط الإسرائيلي المعروف بـ E1، وأيضاً حدث الانقسام بين الضفة وغزة، مما جعل المشروع الوطني في مهب الريح، مما أسهم في تعرضها وسياساتها إلى الانتقاد.

لقد تغيرت الساحة التي تعمل عليها "فتح" بشكل كبير، بالذات بعد بروز تيارات عسكرية وازنة للغاية، وتمارس دوراً فعالاً على الأرض، بل تمكنت من هزيمة "فتح" (بما تمثله من رصيد) بسهولة في الانتخابات التشريعية عام 2006، وبذلك كان لا بد أن ينعكس بروز تلك القوى (التي ثبت بما لا يدع مجالاً للشك أنها قوى حقيقية تمثل الشريحة الأوسع من الفلسطينيين) على تركيبة وبناء منظمة التحرير الفلسطينية، ذلك البيت الجامع الذي يضم كل الفلسطينيين، ويعبر عن وجودهم تعبيراً صادقاً. ولعل الصورة النمطية التي تعودت عليها "فتح" كقائدة للمشروع الوطني الفلسطيني ومؤسساته، منعتها من رؤية الأمور من الزاوية المناسبة، وبالتالي بدلاً من إيجاد القواسم المشتركة للحفاظ على الوحدة والاستقواء بالقوى والأحزاب المختلفة، فقد تصارعت معها على أمل أن تستمر في ممارسة سياساتها بالطريقة التي تعودت عليها، وبالتالي بدأت في خسارة مواقعها تدريجياً، ويبدو أنها – إلى اليوم - لا ترى تلك الصورة بوضوح. لقد تغير الزمان، وتغيرت الساحات، وتغيرت موازين القوى، ولا يمكن لعاقل أن يظن أن "فتح" هذه الأيام لا زالت هي "فتح" أبو عمار وأبو جهاد، وكمال عدوان وصلاح خلف وأبو يوسف النجار وعشرات غيرهم. نعم، الجيل الحالي الذي يحكم "فتح" – في معظمه – هو جيل أوسلو الذي لم تتح له الظروف صناعة تاريخ من العمل النضالي، الذي قد يشكل رصيداً يمكن ان يحتمي خلفه، بعد سنوات أوسلو العجاف، وما شاب سلطتها والعاملين فيها من سلبيات. ومن المؤكد أن ذلك لا يعتبر جديداً على الحركات والتنظيمات، إلا أن المطلوب من "فتح" التأقلم مع الواقع الجديد، وتجنب الصراع مع المسلمات، واحترام التعددية والاختلاف، والقبول بالديمقراطية، بغض النظر عن مخرجاتها، والعمل ضمن الممكن في بناء الشراكات والائتلافات، وليس استغلال المؤسسات الفلسطينية والسلطة الوطنية وكأنها إحدى أدواتها.

لقد اتهمت قوى وازنة "فتح" تحديداً (بصفتها التنظيم المهيمن على مفاصل العمل السياسي الفلسطيني ومؤسساته) بالتفرد في اتخاذ القرارات، والتحكم في السياسات العامة، وقد دافعت الأخيرة بأن تلك القرارات إنما يتم اتخاذها من قِبَل المؤسسات الفلسطينية المختصة، لا من قِبَل حركة "فتح". لكن الشمس لا تُغَطَّى بغربال، فالكل يعلم أن تلك المؤسسات التي يعرفها الجميع ليست منتخبة، بل يقوم رئيس حركة "فتح" شخصياً بتعيين أغلبية أعضائها، وهو الذي يشكل لجانها، والنتيجة بالتأكيد هي ما تريده "فتح" تماماً..! إن هذا الحال لا يمكن ان يكون مدخلاً للإصلاح الديمقراطي ولا التعددية السياسية، ولا حتى العمل السياسي المحترم، إذ أصبح وجود بعض التنظيمات الأصيلة في بنية المؤسسات الفلسطينية عموماً ومنظمة التحرير على وجه الخصوص مجرد واجهة لتمرير ما تراه "فتح"، لكن دون أن تتحمل الأخيرة مسئولية الفشل، وهو ما بدأت التنظيمات الفلسطينية المكونة للمنظمة تراه عياناً. ليس هذا فحسب، بل تمكنت "فتح" من إدارة وجود تلك المنظمات داخل البنية الأساسية للمنظمة، وحرصت على مشاركتها في قراراتها، ولو كان ثمن ذلك الخروج بقرارات جانبية تصر عليها تلك التنظيمات، قرارات لا تجد طريقها إلى النور أبداً، وتبقى حبيسة الأدراج، أو تتلاعب بها اللجان واللجان الفرعية، و ...

إن قرار الجبهتين الشعبية والديمقراطية، وكذلك المبادرة الوطنية بمقاطعة اجتماعات  المجلس المركزي يشكل فارقاً جوهرياً ومعلماً بارزاً مما يمكن تسميته النظام السياسي الفلسطيني الجديد، بالذات أن تلك المقاطعة جاءت على خلفية استفراد حركة فتح ورئاستها بمقاليد القرار الفلسطيني والمؤسسات الرسمية، والانتقائية وعدم تنفيذ القرارات التي يتم اتخاذها، ولا شك بأنه سيكون لذلك انعكاسات بعيدة المدى على النظام السياسي الفلسطيني وتطور الديمقراطية، ويبشر بمرحلة جديدة من بناء منظومة قيم سياسية مشتركة بين التنظيمات المختلفة. وفي نفس الوقت، إذا كانت أهم فصائل منظمة التحرير غائبة عن اجتماع المجلس المركزي فمن هي الجهات التي تمثلها الشخصيات الحاضرة في ذلك المجلس والمكونة له؟ وبالرغم من أن قرارات المركزي لن تتعدى سابقاتها، لكن السؤال: هل من المنطق ان تكون قراراته ملزمة للشعب الفلسطيني؟ وبأي حق يستمر الاندفاع نحو عقده، بدلاً من جمع الكلمة والتوافق مع المنسحبين، وتفهم اعتراضاتهم؟ وما هي الرسالة التي يمكن للتنظيمات المقاطعة فهمها من الاستمرار في الاجتماع، وعقده بمن حضر؟ أسئلة ليس من الحكمة أن تتجاوزها قيادتنا الفلسطينية، في هذا الوقت العصيب.

إن ما يهمني بشكل أكبر من مجرد الاجتماع المزمع، هو تلك الروح والتفكير الإيجابي الذي لا بد أن يجد من يثني عليه. وأقصد بذلك موقف الجبهة الشعبية على وجه الخصوص، ذلك الموقف المبدئي الذي جعلها تقاطع اجتماعات المجلس الوطني الأخير، وانسجامها مع ذاتها بمقاطعة المشاركة في اجتماع المجلس المركزي، وانحيازها للتنسيق والعمل المشترك مع بقية قوى المقاومة في القطاع، بانسجام وعلى أرضية ثابتة تصلح كمرجعية للعمل السياسي الفلسطيني، والتي لخصها الرفيق ماهر مزهر في معرض رده على سؤال حول رأي الجبهة في الهدنة المقترحة مع الاحتلال، حيث بين أن الجبهة ترفض أي هدنة مع الاحتلال ما دام موجوداً على الأرض الفلسطينية، وهو موقف مبدئي للجبهة الشعبية، إلا أنه اتبع ذلك بأن الجبهة تلتزم بالإجماع الفلسطيني مهما كان، وأنها لن تخالفه. هذه قاعدة يمكن البناء عليها، حيث لا مانع ان يكون لأي تنظيم رؤيته الخاصة، لكن الالتزام بالاجماع واجب وطني، وهي معادلة يمكن أن تحقق الأمن الداخلي والاحترام التنظيمي بشكل تام. إن التزام الفصائل الفلسطينية جميعها بهذه المعادلة يمكن ان يشكل أساساً لوحدة حقيقية على الأرض، وليحتفظ كل طرف بقناعاته لنفسه، أما ميدانياً فالأولوية الوحيدة هي الإجماع.

ولعله من المفيد أن تلتقي القوى المختلفة في قطاع غزة، لدراسة أساليب وآليات إعادة القطار الفلسطيني إلى سكته، ومطالبة القيادة الفلسطينية بتصحيح اوضاع المؤسسات الرسمية التي تديرها، بما في ذلك لم الشمل الفلسطيني، والتئام الجميع تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية بعد إعادة بنائها على أسس صحيحة من التمثيل. لقد بينت الأزمة المتعلقة بمقاطعة اجتماعات المجلس المركزي أن الشعب الفلسطيني هو شعب حي، وفي اللحظة التي ظن فيها البعض أن التنظيمات المقاطعة هامشية في تمثيلها (أو أنه لا وزن لها)، إلا أن الواقع كشف مدى تأثيرها على شرعية القرارات التي يمكن أن يتم اتخاذها، بل على مدى شرعية الاجتماع نفسه..! حيث ظهر للعيان مدى هشاشة وشرعية المؤسسات الرسمية في غياب تلك القوى. إن تلك التنظيمات تتحمل اليوم مسئولية تاريخية، إذ ثبت للجميع أن بإمكانها تعرية القيادات والمؤسسات الرسمية، وإرغامها على العمل ضمن الأصول الديمقراطية، والأعراف الوطنية، وبالتالي فإن تلك القوى ومن يساندها في قرارها ربما أصبحت صوت الشعب، والمحرك الأساسي للتغيير، ليس من منطق إخضاع حركة "فتح" وكسر إرادتها، وإنما من منطق أنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، ومن المصلحة الوطنية منع حركة "فتح" من الاستمرار في الاستفراد بالنظام السياسي الفلسطيني ومؤسساته، ومصادرة قراراته، وذلك حرصاً على مشروعنا الوطني، وحرصاً على مستقبل حركة "فتح"، التي تشكل ركيزة أساسية من ركائز العمل الوطني.

أخيراً، لا شك بأن الجبهة الشعبية بقراراتها وسياساتها الواضحة، قد أصبحت أكثر شعبية، وكذلك فقد انتصرت الجبهة الديمقراطية والمبادرة الوطنية، بإصرارهما على مبدأ "شركاء لا أجراء"، وأعتقد جازماً أن الجميع قد اكتسب تعاطفاً جماهيرياً لا يقدر بثمن، ووضعت تلك القوى نفسها على أرضية أصلب، وفي رأيي أن المشروع الوطني هو الرابح الأكبر.

* الكاتب أكاديمي فلسطيني – غزة. - Monzir394@gmail.com