2018-08-14

أخطار عملية الفحيص..!


بقلم: عمر حلمي الغول

الإرهاب التكفيري في الدول العربية مازال فاعلا ويهدد مستقبلها، ولم تنته مهمته ووظفيته التفتيتية لوحدة النسيج الإجتماعي والوطني والثقافي في كل دولة على إنفراد، وشعوب الأمة عموما. لإن المشروع التخريبي الأميركي الإسرائيلي لم يحقق كامل أهدافه، الأمر الذي يملي على القائمين عليه مواصلة إنتاج وإعادة إنتاج الجماعات الإرهابية بأشكال وأسماء قديمة جديدة، وإستخدامها كسيف مسلط على رقاب الأنظمة السياسية القائمة، وإرغامها على الإستجابة لدفع الفاتورة السياسية المطلوبة منها، أو مواصلة خلق المتاعب لها، وضعضعة الإستقرار السياسي والإقتصادي والأمني فيها.

وإذا توقفنا أمام ما جرى في الساحة الأردنية كمنوذج، الذي تعرض يومي الجمعة والسبت الماضيين لعملية إرهابية أدت إلى سقوط عدد من الشهداء والجرحى من رجال الأمن الأردني في الفحيص والسلط، نلحظ أن الإستهداف لقوى الأمن لم يكن عابرا أو صدفيا، إنما هو يعكس قوة الجماعات التخريبية العاملة في الأردن الشقيق، لا سيما وأن البيئة الإجتماعية والدينية مهيئة وخصبة لإرتكاب عمليات إرهابية في محافظاته ومدنه، كلما إرتأت قوى الأعداء ضرورة ذلك.

والعملية الإرهابية الجديدة ليست الأولى، ولن تكون الأخيرة خاصة وأن المئات من أتباع تنظيم الدولة "داعش" بدأوا التسلل من سوريا والعراق وغيرهما من الدول العربية والإسلامية إلى الأردن، بعد أن ضعف ثقلهم ووجودهم في أعقاب الهزائم، التي منيوا بها في الدول المذكورة. كما أن قاعدتهم وركيزتهم الإخوانية قوية في الأوساط الإجتماعية الأردنية، مما يسهل عليهم الإستقطاب والتنظيم للشباب البسيط، وغير المؤهل علميا ووطنيا، ودفعهم لإرتكاب عمليات إرهابية ضد أبناء الشعب الأردني عموما، والمؤسسة الأمنية خصوصا بإسم الدين، الذي هو براء منهم ومن جرائمهم الدونية التكفيرية. أضف إلى أن الأزمات والصعوبات الإقتصادية، التي يعاني منها الأردن تساعد في خلق المناخ الملائم لتعاظم نفوذ تلك الجماعات، يضاف لذلك نجاح ممثلي القوى الوطنية والقومية والديمقراطية في إنتخابات النقابات، مما أثار حفيظة جماعة الإخوان المسلمين والقوى المحافظة المتواطئة معها، التي كانت متربعة على عرش النقابات لإكثر من عقدين من الزمان. وقد يكون من العوامل المساعدة لذلك، دعم تلك العصابات الإجرامية، ليس من قبل أميركا وإسرائيل فحسب، بل يمكن ان تكون بعض دول المنطقة لها ضلع في ذلك بهدف تصفية حسابات مع الأردن.

هذة العوامل وغيرها تشكل الأرضية الملائمة لإتساع دور وتأثير تلك البؤر الإرهابية في المملكة الأردنية، وهو ما يتطلب من النظام الأردني ومؤسسته الأمنية من جهة، والقوى الوطنية والقومية واليسارية من جهة أخرى كل من موقعه السياسي والوطني زيادة اليقظة، والحرث في وسط الشعب بطبقاته وفئاته وشرائحة الإجتماعية المختلفة لمضاعفة الوعي الوطني لمجابهة تلك الجماعات وأفكارها الرجعية، والتركيز على دور العبادة، التي تشكل ساحة مناسبة للترويج لبضاعة التكفيرين الفاسدة، حيث لا يكفي هنا مراقبة خطيب الجمعة، ولا النصوص المسموح بها لإلقائها في المساجد، إنما وضع تلك المنابر تحت المراقبة الدائمة والمستمرة على مدار اليوم.

ويقع على النظام السياسي وحكومته والمؤسسة الأمنية دور أكبر في متابعة خيوط تلك الجماعات، وملاحقتها في المهد، والعمل على تفكيكها، وتضييق الخناق عليها، ومن جهة أخرى توسيع دائرة الديمقراطية، مع إيجاد حلول خلاقة للإزمات الإقتصادية، وتقليص أعداد البطالة، وحماية المستهلك من الإرتفاع غير المنطقي لإسعار السلع الأساسية، وكبح جماح منظومة الإخوان المسلمين دون تردد أو تساهل ومراقبة الحدود من كل الجهات بما يضمن الحؤول دون تسرب عناصر لداخل الأردن.

عملية السلط الفحيص، عملية خطيرة، توجب على كل القوى الرسمية والشعبية التنبه لإخطارها وتداعياتها، والعمل بشكل منظم وسريع لوأد مشروع الإرهابيين، وتصفية ذيوله بحلول سياسية وإقتصادية وإجتماعية ودينية وثقافية ناضجة وعقلانية بعيدا عن النزق وردود الأفعال المتسرعة الإنفعالية.

* كاتب فلسطيني يقيم في مدينة رام الله. - oalghoul@gmail.com