2018-08-13

أكذوبة المفتي شريك هتلر في المحرقة النازية


بقلم: د. إبراهيم فؤاد عباس

نشر بعض نشطاء التواصل الاجتماعي صورة تجمع بين هتلر والمفتي الحاج أمين الحسيني أتبعها العديد من التعليقات، بعضها يلمح إلى التعاون بين الزعيمين، وبما يتوافق مع قول لرئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو صدر عنه في أكتوبر 2015 ، يدعي فيه بأن الزعيم الألماني النازي أدولف هتلر "لم يكن بنيته قتل اليهود وحرقهم، وفقط كان يريد طردهم من ألمانيا، ولكن الحاج أمين الحسيني هو من أقنع هتلر بحرق اليهود وقتلهم"، بدوري علقت على الصورة بأنها تخدم الدعاية الصهيونية.  وفوجئت بتعليقات مؤسفة وكأنها تؤكد قول نتنياهو.

المحرقة النازية ضد اليهود "الهولوكوست"، ترمز إلى الجريمة البشعة التي ارتكبها النازيون خلال الحرب العالمية الثانية ضد أعداد  كبيرة من يهود أوروبا بحرقهم في أفران الغاز.. لكن رغم أن تلك الجريمة التي تصنف تحت بند "الإبادة الجماعية" حدثت في أوروبا وبأيدي أوروبية، وتحت الشعار الذي ابتدعه هتلر "الحل النهائي"، إلا أن اليهود الصهاينة يروجون للدعاية المغلوطة بأن مفتي فلسطين الحاج أمين الحسيني  شريك للنازي في تلك المحرقة، لمجرد انه فر من بطش الاحتلال البريطاني لبلاده إلى ألمانيا خلال تلك الفترة، ويصورون الأمر كما لو أن الحسيني هو الذي أوحى لهتلر بالمحرقة، فيما أن هتلر كان قد دعا في يناير 1939 إلى إبادة اليهود، أي قبل وصول الحسيني إلى ألمانيا بعامين، وعندما كانت "المحرقة" قد بدأت بالفعل. ويؤكد د. عبد الوهاب المسيريفي موسوعته أن هتلر – على عكس ما يروجه الصهاينة- اتخذ موقفًا عنصريًا من العرب، وعندما طلب الثوار الفلسطينيون من ألمانيا النازية تزويدهم بالسلاح رفضت ذلك، "بل إنها حملت أعضاء الجالية الألمانية في فلسطين على الوقوف موقف الحياد من الصراع العربي – الصهيوني".

والصهاينة  في سعيهم لخداع العالم بهذه الأكذوبة يضعون  صورة المفتي الحسيني إلى جانب صورة هتلر في مدخل متحف ياد فاشيم (الكارثة والعدوان) في القدس الغربية.  لكن الأدهى من ذلك أن تتعاون الصهيونية مع النازية لتحقيق أهداف اقتصادية وترحيل أكبر عدد من اليهود إلى فلسطين، وهو ما كشف عنه الرئيس الفلسطيني  محمود عباس (أبو مازن) في أطروحته لنيل شهادة الدكتوراة من معهد الاستشراق في موسكو بعنوان "الوجه الآخر: العلاقة السرية بين النازية والحركة الصهيونية". ويؤكد الصحفي والمؤرخ الإسرائيلي توم سيجف (كتابه: تحت حماية الجستابو)، أن الصهاينة تعاونوا مع النازيين على إبادة اليهود، "بل أن بعضهم شارك في العمليات مثل كاستز". وانكشفت فضيحة كاستز بعد قيام إسرائيل وتحديدًا في العام 1953، عندما تبين أن أدولف أيخمان مجرم الحرب النازي الذي كان مسؤولاً عن تهجير اليهود من هنجاريا عام 1944، سبق وأن قام بعقد اتفاق مع كاستز يسهل أيخمان بموجبه هجرة اليهود المنخرطين في الحركة الصهيونية مقابل سكوتها عن مصير اليهود غير الصهاينة.

وتبلغ المهزلة ذروتها عندما يقرر الصهاينة الانتقام لضحاياهم الذين أبيدوا في المحرقة من الفلسطينيين وليس من جلاديهم الذين نكلوا بهم، أو الصهاينة الذين تخلوا عنهم، وأن يطبقوا ما تعرضوا له من آلام وتعذيب ومعاناة  في المعتقلات النازية في أوشفتز وبوخنفلد ودخاو وغيرها  ضد الفلسطينيين الذين لم يضهدوهم قط.

لكن هناك فرق كبير بين المحرقتين، فالمحرقة النازية ضد اليهود استغرقت بضع سنين فقط، أما المحرقة الصهيونية ضد الفلسطينيين فقد بدأت في نفس الوقت تقريبًا الذي بدأت فيه المحرقة اليهودية، لكنها مستمرة حتى الآن، وثمة فرق آخر، وهو أن اليهود عوضوا عن المحرقة بوطن على حساب الشعب الفلسطيني وبمليارات الدولارات من التعويضات الألمانية، في الوقت الذي لم يعوض فيه الفلسطينيين عن المحرقة المستمرة ضدهم (النكبة) منذ أكثر من سبعة عقود، وحيث ما زالوا  يدفعون ثمن اضهاد أوروبا لليهود دمًا وألمًا وشتاتًا وأرضًا سلبت منهم بدون وجه حق.

* كاتب فلسطيني- الرياض. - ibrahimabbas1@hotmail.com