2018-08-11

السياسات الفلسطينية بين العجز والتغرير..!


بقلم: د. منذر سليم عبد اللطيف

هناك فرق كبير بين واجبات القيادات (السياسية والمجتمعية على حد سواء) وعامة الشعب، ولا بد لكل جهة أن تؤدي الدور المنوط بها، دون تردد أو تكاسل، وبكل أمانة، بما يراعي تحقيق أهداف المجتمعات. لكن – بلا شك – تقع مسؤولية اتخاذ القرارات الصعبة أو المصيرية على عاتق القيادات العليا، بينما تنعكس آثار تل القرارات على المجتمع، وأحياناً يشارك الأفراد في تنفيذها، كل فيما يخصه. وللأسف، فقد عانت المجتمعات في العالم العربي عموماً والمجتمع الفلسطيني خصوصاً من عجز كبير في قدرة قياداتها على اتخاذ القرارات الصائبة، في محطات كثيرة، وبالتالي فقد اختارت - بمعظمها - عدم اتخاذ قرارات مصيرية، وتركت أمورها وسياساتها نهباً لبعض القوى الإقليمية والدولية، التي يمكنها توفير الغطاء الدعم السياسي والاقتصادي والأمني، أو ما يمكن تسميته "الحماية"، وبالتالي وقعت تلك الدول والمجتمعات في فخ التبعية والاستعمار، وإن بدا للبعض أنها مستقلة ذات سيادة.

وما يزيد الطين بلة أن قياداتنا دائماً ما تعزو أسباب عجزها وفشل سياساتها إلى قوى خارجية، ومؤامرات إقليمية أو دولية أو حتى داخلية، وبالتالي تحاول تلك القيادات تبرير فشلها وإجراءاتها، على أساس أنها تحارب – من أجل المصلحة – على عدة جبهات، وكان الله في عونها..!

وبحديثنا عن السياسة، يعلم الجميع أن السياسة هي "فن الممكن"، ولا تعبر بالضرورة عن حقوق الأطراف المختلفة، وإنما تعكس أموراً مختلفة على رأسها موازين القوى، وبشكل كبير. نعم يستطيع أي سياسي أن يتحفنا بهذه المفاهيم والتعريفات، بكل ثقة واقتدار، لكن يبدو أن المشكلة ليست في التعريف النظري وإنما في التطبيق العملي. ومن الواضح أن القيادات الفلسطينية في تعاملها مع المشاريع السياسية المختلفة التي لا تلبي حقوقنا الوطنية التاريخية لم تستخدم السياسة، وذلك عبر كامل التاريخ الفلسطيني، ولم تفهم وتستوعب أن السياسة أيضاً عملية ديناميكية تتغير باستمرار بتغير المصالح وموازين القوى. وكأن لسان حالهم ملتزم حرفياً بالمثل الفلسطيني المشهور: "مكسور متكلش، وصحيح متكسرش، وكول لما تشبع"، وهو ما ضاعف أزماتنا، وأضاع فرصاً كثيرة، كان من الممكن استغلالها جيداً خلال العقود الماضية.

إن الإستراتيجية السياسية التي أتقنتها القيادة الفلسطينية كانت ولا زالت – بلا شك – ما يمكن أن نطلق عليه "إستراتيجية الرفض"، بالرغم من أن الكثير من العروض السياسية التي سمعنا عنها في أزمنة متلاحقة ربما كانت وهمية، يراد منها التغرير، وإنما تم اقتراحها والترويج لها لعلم أعدائنا (ومن يخطط معهم) سلفاً أننا سنرفضها..! كانت تلك القوى تعلم أن الفلسطينيين لن يقبلوا بقرار التقسيم، ولن يقبلوا بإقامة دولة في الضفة وغزة، ولن يقبلوا أقل من الضفة وغزة في مباحثات كامب ديفيد الثانية، ولا بأقل من ذلك في أنابوليس، ولا بضفة منتقصة المساحة ومتقطعة الأوصال، ولا بدولة في غزة، وغير ذلك. كلها حلقات في سلسلة واحدة وتحركات سياسية تغريرية، الغرض منها لا يعدو ذر الرماد في العيون، وإظهار الفلسطينيين وكأنهم لا يريدون السلام، ويرفضون كل شيء، وربما أسهمت بعض الأنظمة "الصديقة" في ذلك..!

ومن البديهي أن نستلهم استدلالاتنا من الحالة الفلسطينية، كونها القضية التي نعمل من أجلها، ونحاول أن نقدم ما نستطيع من جهد في سبيلها. وأتساءل: إذا كنا شعباً يعمل للتحرير، ويعيش حالة من الظلم منذ حوالي مائة عام، فلماذا يتم اعتقال المواطنين على خلفية انتماءاتهم السياسية؟ ولماذا تتم التعيينات على أساس الانتماءات الحزبية والواسطة؟ ولماذا الاعتداء على الحريات وحقوق الإنسان؟ ولماذا تقطع رواتب الموظفين وتمتهن كرامتهم؟ ولماذا تغلق المؤسسات الوطنية والخيرية؟ ولماذا يتم التنصل من نتائج الانتخابات البلدية والتشريعية؟ ولماذا يتم ملاحقة المقاومين بالرغم من وجود الاحتلال؟ وكيف يمكن لقيادة شعب تحت الاحتلال أن تنسق أمنياً مع المحتل؟ وكيف يمكن تفسير فرض القيادة حصاراً على شعبها؟ وغير ذلك من عشرات الأسئلة التي يندى لها الجبين، ولا يمكن أن تعبر عن أي جانب من جوانب المشروع الوطني الفلسطيني، إذ لا يمكن لعملية التحرير إلا أن تعتمد على تضحيات الشعب، لا أن تنطلق من إذلاله وامتهان حقوقه وكرامته..! فبدلاً من التركيز على التفكير السياسي ضد المحتل، اشتغلت قياداتنا المختلفة بنفسها ومعارضيها من القوى الفلسطينية الأخرى، وضيعت وقتها فيما لا يفيد، بل يضر القضية ويسهم في تصفيتها..! والسؤال الذي يلي الأول مباشرة: هل مثل هذه قيادات تستحق النصر والتمكين؟ بالفعل، لعل المصيبة الأكبر من كل تلك التجاوزات أن يتوقع البعض أن  تنتصر قيادات تمارس أفعالاً كهذه، بدلاً من محاسبتها على جرائمها. والسؤال الآخر: ما الذي يمنع قياداتنا أن تكون على قدر المسؤولية، فتحترم شعبها وتعمل على رعاية مصالحه، بدلاً من محاولات قهره وإذلاله؟ أم أن عدم القدرة على الحمار يتطلب بالضرورة تنفيس الغضب ضد البردعة؟

إن ما تعانيه مجتمعاتنا من تخلف لا يرجع إلى عجز الفرد عن القيام بواجباته، لأن مثل هذا النوع من العجز من السهل معالجته بالتدريب والتأهيل، أو العمل على زيادة الدافعية، أو تحسين بيئة العمل وغير ذلك، لكن مشكلتنا الأساسية في قادتنا الذين يعجزون عن اتخاذ القرارات الصحيحة في الوقت المناسب..! وقد يكون سبب ذلك قلة الدراية، وسوء تقدير المواقف، وما تستلزمه تلك القرارات من أدوات وأفعال ودعم شعبي. لكن التاريخ يعلمنا شيئاً آخر (إذا أحسنا الظن)، وهو أن قادتنا ربما كانوا يخافون من اتخاذ قرارات صعبة ومصيرية، لأنهم يفتقدون إلى صفات القيادة الحقيقية من الإقدام وتحمل المسؤولية، أو ربما لعلمهم أنهم لا يمثلون شعوبهم تمثيلاً حقيقياً. فعلى سبيل المثال: رفضت قياداتنا قرار التقسيم عام 1947، واليوم تعترف بخطئها، بل أصبح الشعب يتندر بذلك، وصنع من ذلك الحدث مثلاً فلسطينياً مشهوراً. وبالرغم من أن غزة والضفة الغربية كانتا غير محتلتين قبل عالم 67، إلا أن قياداتنا لم تطالب بإقامة دولة عليهما، كي تستخدمهما كنقاط ارتكاز لتحرير بقية الأرض، والأغرب من ذلك قبول قياداتنا أن يكون ثمن اعتراف جامعة الدول العربية  بمنظمة التحرير الفلسطينية "ألا تمارس هذه المنظمة أية سيادة إقليمية على الضفة الغربية في المملكة الأردنية الهاشمية، ولا قطاع غزة .."! وأيضاً بعد قرار الهدنة بدلاً من إعلان الضفة الغربية وغزة كياناً فلسطينياً مستقلاً عمدت قيادات الضفة إلى عقد مؤتمرات شعبية تطالب بضم الضفة الغربية إلى الأردن (وأصبحت جزءاً قانونياً من الأردن منذ عام 1950 وحتى فك الارتباط من جانب الأردن أواخر الثمانينيات..!)، بل بايعت الملك عد الله ملكاً على فلسطين كلها، وبعد انسحاب الجيش الإسرائيلي من القطاع عام 57، خرجت المظاهرات في الشوارع للمطالبة ببسط الإشراف المصري عليه، بدلاً من المطالبة بأن يكون حكم القطاع فلسطينياً، وربما يتكرر نفس السيناريو هذه الأيام، وكأننا لم نتعلم مما سبق. وعارض كثيرون معاهدة الصلح بين مصر وإسرائيل، بينما ظهرت مدى حكمة الرئيس السادات بعد ذلك بعقود..!

وكذلك رفض كثيرون اتفاق أوسلو وعملوا على تخريبه، بينما يطالبون اليوم بالوصول إلى نفس مخرجاته، لكن بعد فوات الأوان. ورفضت قياداتنا مشاريع عديدة ، بما فيها ما يشاع عن "صفقة القرن"، أو دولة في غزة، وغير ذلك، وأقول بكل وضوح: في كل مرة رفضت قياداتنا عرضاً ما، وصلنا إلى مرحلة تمنى فيها الشعب الفلسطيني لو أن تلك القيادات كانت أكثر حكمة ووافقت على ذلك، وكأن ما تراه قياداتنا من عروض رديئة لا يمكن (أو تخشى) القبول بها، يتبين لها بعد فترة أنها كانت فرصاً عظيمة كان الأولى أن يتم اغتنامها، والسؤال: أين السياسة في كل ما يجري؟ نعم تدحرجت قضيتنا مع الزمن خلال العقود الماضية، وخلال ذلك يستمر سقف توقعاتنا بالانخفاض شيئاً فشيئاً، وأصبح اليوم الذي تشكل فيه القضية الفلسطينية موضوعاً من كتاب قصص الأساطير، الذي عادة ما يبدأ بـ "كان يا ما كان..." أقرب مما يتصوره البعض. بالفعل، يبدو أن قادتنا خائفين من اتخاذ قرارات، ولا يريد أحد منهم أن يتحمل المسؤولية، ببساطة لأنهم عاجزون، ولا يستطيعون إدراك ما يجري، أو لأنهم لا يمثلون شعوبهم تمثيلاً حقيقياً، وإلا لكانوا صارحوهم بالحقيقة، بدلاً من الخطب العنترية، والنفخة الكذابة، التي لم ولا تصمد حتى أمام طائرة استطلاع بدون طيار، تتحكم فيها مجندة على بعد مئات الكيلومترات، أو ربما كانت مفاهيمهم السياسية مقلوبة، يفرض فيها الضعيف إرادته على القوي، أو أنه من الممكن تغطية الشمس بغربال..!

واليوم، نجحت إسرائيل وحلفاؤها مرة أخرى في وضع العربة أمام الحصان، وأصبح القول أنه "لا دولة بغزة ، ولا دولة بدون غزة"، أيقونة ومرجعية وربما أصبح نشيداً وطنياً، لا يجوز أن يقترب من هذا الطرح أحد. نعم، بالطبع لا يمكن حالياً إقامة دولة في الضفة، بعدما ابتلعت المستوطنات معظم أراضيها، وقطعت أوصالها، وقضت على وحدتها الجغرافية. لكن السؤال الذي ليست له إجابات مقنعة هو: لماذا لا تكون دولة في غزة؟ ولعل جوابي الاستقرائي ببساطة: في انتظار أن تسمح الظروف والزمن بضياع هذا الجزء المحرر أو تفتيته، بحيث لا يكون صالحاً لذلك، آخذاً معه آخر آمال الفلسطينيين وأحلامهم، وهو ما تعمل عليه إسرائيل ليل نهار، بما في ذلك حرصها الشديد على عدم إقامة دولة في غزة، عن طريق إشاعة العكس، "وهو رغبتها وحلفاؤها إقامة دولة فلسطينية في القطاع، لأن ذلك يُقَزِّم المشروع الوطني الفلسطيني"..!

إن العمل على فرض سيادتنا - كدولة لها وجود في قرارات الأمم المتحدة بشكل فعلي على الأرض يجعل الصراع الدائر بيننا وبين إسرائيل ليس صراعاً على الوجود (حيث تعمل إسرائيل على شطبنا واقعياً عن الخارطة، ولا تعترف بحقوقنا السياسية إلى اليوم، ولا تريد لنا ممارسة سيادة حقيقية على الأرض)، إلى صراع على الحدود، وهو ما يثبت حقنا. ولعل القارئ ينتبه إلا أننا نحن الفلسطينيون من اخترع مصطلح صراع على الوجود لا صراع على الحدود، والذي كان يعني سابقاً نيتنا شطب إسرائيل عن الخارطة، أما اليوم فقد انعكست الصورة تماماً. إن إقامة دولة في غزة يقود بالضرورة إلى الاستنتاج أن الصراع مع المحتل لم يعد صراعاً على الوجود، وإنما صراعاً حدودياً تفصل فيه الأمم المتحدة وقوانينها وقراراتها (وبمساهمة فعالة ومساندة وضغط من قوى المقاومة)، وهو ما لا تستطيع إسرائيل محوه وتجاوزه، وإن كانت بالطبع تستطيع المماطلة، إلا أننا في ذلك الوقت نجابهها نداً لند، ودولة قائمة على أرضها ومعترفاً بها ضد دولة احتلال، وليس تاريخاً مقابل واقع، أو صورة ذهنية مقابل حقيقة ملموسة.

أليس المنطق أن تقوم الدولة على أي أرض محررة؟ أليس من الحكمة قيام دولة فلسطينية في غزة أولاً، كونه من الأمور التي يمكن أن تكون متاحة بجهد معقول، وعند تحرير الضفة أو أي أجزاء منها، يتم بسط نفوذنا عليها؟ ولماذا يصر البعض (دون إبداء ملاحظات حقيقية) أن ذلك يضر بالمشروع الوطني؟ أليست إقامة دولة في غزة خطوة مرحلية لمباشرة سيادتنا الوطنية، كي نتمكن من إدارة الصراع من على أرضنا المحررة. وهل يمنعنا إقامة دولة في غزة من المطالبة بحقوقنا الوطنية، بما في ذلك المطالبة بالانسحاب من أرضنا التي تحتلها إسرائيل، وعودة اللاجئين، وغير ذلك من القضايا الوطنية الهامة، المدعومة بالقرارات الدولية؟

الحقيقة باختصار أن قادتنا إما أنهم – كعادتهم – لا يقرؤون الوقائع بشكل صحيح، أو أنهم لا يملكون ما يكفي من الجرأة بحيث يصارحوا شعوبهم بالحقيقة، وهم خائفون من اتخاذ مثل تلك القرارات الصعبة، التي تحتاج إلى قدرة على الإقناع الشعبي وتغيير جذري في الممارسة على الأرض، وفي ذات الوقت ستلاقي أشد العداء والمواجهة من إسرائيل، التي نصبت لنا الفخ كي نرفض مثل هذا الخيار المتاح والمدعوم دولياً، والذي سيسرع الانسحاب الإسرائيلي من الضفة الغربية، وربما حاولت إسرائيل وحلفاؤها تسريب رغبتهم في إقامة مثل تلك الدولة لهذا الغرض بالتحديد، آملة ومتوقعة أن نرفضها بشكل تام كما هي العادة، وأن نقرر أنها ضد المصلحة الوطنية، وأنه لا يجوز لأحد أن يتحدث عنها أو أن يدعو إليها، وإلا كان داعماً ومستجيباً لما تطرحه إسرائيل وحلفاؤها، وهو بالضبط ما تعمل إسرائيل على تحقيقه (ولا شك أنها نجحت في ذلك، وتمكنت كعادتها من وضع العربة أمام الحصان)، وقادتنا إنما ينفذونه بأدق تفاصيله، ويعتبرون ذلك عملاً وطنياً ومقاومة شرسة للمشروع الصهيوني، وللأسف – كما هي العادة - لم يكلفوا أنفسهم عناء الدراسة وتقدير المصلحة، ولأنه جاء من أعداء القضية، فليس له إلا الرفض والإنكار..!

* الكاتب أكاديمي فلسطيني – غزة. - Monzir394@gmail.com