2018-08-10

الهدنة نسبية والصراع مطلق..!


بقلم: حمدي فراج

قيل الكثير، وسيقال أكثر، عن الهدنة المزمعة بين الاحتلال والمقاومة في غزة، والتي تشير الدلائل الى انها في طريق التحقيق، وان مؤيديها سيسوقون لك خمسين سببا لتوقيعها، في حين سيسوق لك معارضوها ستين.

من الوجهة الموضوعية، فإن "السكون" في الطبيعة امر استحقاقي، حتى في ظل الصخب والاضطرام، كذلك في الحروب والصراعات كاستراحة المحاربين واجلاء الجرحى وتبديل الاسرى وتدخيل الغذاء والدواء ..الخ، ومن هنا فإن "الهدنة" بحد ذاتها ليست شيئا محرما، بقدر ما يستطيع الاطراف انتزاع افضل مواصفاتها وشروطها وتوقيتها ومدتها التي قد تمتد لعشر سنوات كما في "هدنتنا" موضوع الحديث.

اعتماد التجربة، امر في غاية الاهمية ، ازاء ما تم اعتماده من هدنات مع الطرف المعادي، بمعنى: ماذا لو خرق العدو بنود الهدنة، هل تنفع مصر ان تكون كفيلا له، او امريكا دونالد ترامب، او حتى الامم المتحدة وغيرها من منظمات عالمية، كما حصل في اتفاقية اعلان المبادئ في اوسلو بين اسرائيل ومنظمة التحرير، والتي خرقتها اسرائيل ألف مرة، ماذا لو قامت اسرائيل بقصف المطار والميناء تحت اي حجة او ذريعة، كما فعلت من قبل.

هل ستقتصر الهدنة على وقف "الحرب" بين الطرفين، القصف والقنص والطائرات المسيرة والطائرات الورقية والمظاهرات والمسيرات ودفن الشهداء أم ستشمل "الحرب الباردة" ايضا، بما في ذلك التحريض وآيات الجهاد، والمطاردات الساخنة، حتى وصل الامر في حقبة اوسلو ان يمنعوا ياسر عرفات من التحدث عن الجهاد في احد مساجد جوهانسبرغ، ويمنعوا محمود عباس من مصافحة سمير القنطار في بيروت وآمنة منى في اسطنبول ويقتحموا جنين لهدم نصب تذكاري للشهيد خالد نزال، ثم وصل الامر مطالبتنا الاعتراف بهم كدولة يهودية.

لا نسوق كل ذلك من أجل معارضة الهدنة، بل لكي لا يقول بعضنا فيما بعد، اننا فوجئنا بكل ذلك، فاسرائيل تفهم كنه الهدنات اكثر بكثير مما نفهمها نحن، نحن نركز على شكلها، وهم يركزون على مضمونها، بمعنى ان اسرائيل لا تهادن على مبادئها، ولذلك حين وافقت على ميناء ومطار فانها اشترطت ان يكون ذلك تحت مراقبتها، كما فعلت مع معبر رفح ومع الجسر في اريحا، لم يهمها ان يكون في الواجهة شرطي فلسطيني وصور ياسر عرفات ومعه الملك حسين، همها ان تكون في الخلف، ترقب وتمنع وتسمح وتدقق دون ان يراها أحد.

ماذا كان يفعل العرب خلال السبعين سنة الماضية من عمر اسرائيل بمن فيهم الذي "لم يوقع" كحافظ الاسد والذي "وقع" كأنور السادات والذي "وقع ولم يوقع" كبقية الدول العربية وبالاخص الخليجية منها؟ بل ما الذي فعلته منظمة التحرير خلال الثلاثين سنة الماضية؟

الهدنة هي شأن نسبي، والصراع هو المطلق، لطالما ان المحتل  يريد ان يغير ملابسه فقط.

* كاتب صحفي فلسطيني يقيم في مخيم الدهيشة- بيت لحم. - hamdifarraj@yahoo.com