2018-08-06

قطاع غزة.. أولوية المصالحة على الهدنة


بقلم: محسن أبو رمضان

منذ بداية فرض الحصار على قطاع غزة أي منذ أكثر من 11 عاماً عملت العديد من الشخصيات والقوى والفاعليات الوطنية والاجتماعية على ضرورة انهاؤه واعتباره شكلاً من أشكال العقاب الجماعي، والذي وضع سكان القطاع والذين يقترب عددهم من 2 مليون انسان في معتقل كبير.

لقد ادى الحصار مصحوباً بثلاثة عمليات عسكرية عدوانية واسعة إلى تدمير البنية التحتية والمرافق الانتاجية وضعف الاقتصاد، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، خاصة إذا أدركنا أن كل ذلك ترابط مع تعثر عملية اعادة الاعمار واخفاق جهود المصالحة الوطنية واستمرار الانقسام الذي كان ايضاً له تداعيات سلبية على الحياة الاقتصادية والمعيشية بالقطاع.

من الصعب على المرء ان يعارض اخراج قطاع غزة من حالة الحصار وذك في اطار تقديم رزمة من المساعدات والتسهيلات والمشاريع الاقتصادية والانسانية في قطاع غزة، فهذا حق لأبناء القطاع على قاعدة عدم شرعية الحصار المخالف للقانون الدولي.

ولكن إذا وضعنا موضوع الهدنة مقابل وقف الحصار او تخفيفه وهو ما رشح مؤخراً عبر جهود مبعوث الأمم المتحدة لعملية السلام ميلادينوف مع كل من حركة "حماس" واسرائيل فمن حق المرء والمتابع للشأن العام ان يتساءل عن السياق الذي تأتي به هذه الهدنة وارتباطها بما اشيع عن صفقة ترامب المبنية على فكرة السلام الاقتصادي واعتبار قطاع غزة مركز الكيان الفلسطيني، بما يساهم في تعزيز فصله عن الضفة تفتيتاً لوحدة الارض والشعب والهوية وتقويضاً للمشروع الوطني الموحد الذى جرى التوافق عليه في وثيقة الاسرى عام 2006 والمبنى على قاعدة اقامة الدولة المستقلة على حدود الرابع من حزيران عام 1967 وتطبيق حق عودة اللاجئين تنفيذاً لقرار 194.

الخطورة ان تأتي هذه الجهود في هذا الاطار وفي تجاوز للمصالحة الوطنية وآلية اتخاذ القرار والذي يجب ان يكون مشتركاً عبر لجنة تفعيل "م.ت.ف"، الاطار القيادي المؤقت للمنظمة.

وبهدف تجاوز هذه المخاطر لا بد من اعتبار ان الحلقة المركزية بالعمل الوطني الفلسطيني يجب ان تتجسد بتحقيق المصالحة وانهاء الانقسام على قاعدة من الشراكة وفي تجاوز لآليات الهيمنة والاقصاء وبما يساهم في تصليب البيت الداخلي وتحقيق الإرادة الجماعية والديمقراطية المشتركة لصناعة القرار تعزيزاً للعمل الجبهوي المشترك.

أن وضع اية حلول انسانية واقتصادية لقطاع غزة بما في ذلك الهدنة في الاطار الوطني هو وحدة الكفيل بفرملة تنفيذ صفقة ترامب كما يمنع من تحويل الانقسام إلى انفصال استراتيجي تريده اسرائيل للحيلولة دون تنفيذ مشروع الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من حزيران عام 1967، وبما يدفع باتجاه البحث عن خيارات ذاتية للضفة الغربية ايضاً.

وإذا كانت موضوعات المصالحة ومنها الحكومة والموظفين ذات اهمية فإن الموضوعة التي يجب ان تشكل الأولوية الأهم تكمن براي في "م.ت.ف" وذلك عبر ضم كل من "حماس" و"الجهاد" وممثلي الشتات والمرأة والشباب والمجتمع المدني في بنية الاطار القيادي المؤقت على ان تتخذ به قرارات الحرب والسلم بصورة مشتركة.

ومن أجل تحقيق المصالحة يجب تنفيذ حل الرزمة الواحدة بما يضمن بناء أجواء من الثقة ويعزز الشراكة ويعيد احياء الديمقراطية المفقودة بسبب الانقسام عبر العودة لإرادة المواطنين الحرة من خلال الانتخابات الدورية في صندوق الاقتراع، أو من خلال الديمقراطية التوافقية.

ليست اسرائيل في مرحلة ممكن ان تقدم بها على حلول حتى لو كانت ذات طبيعة مؤقتة اقتصادية لأنها تشعر في غطرسة القوة في هذه المرحلة ومؤشرات ذلك عديدة ابرزها القوانين العنصرية المقرة بالكنيست وأبرزها قانون القومية اضافة إلى استمرارها بالاستيطان وتهويد القدس واستهداف المدنيين السلمين في مسيرة العودة وكسر الحصار، وغيرها من الممارسات ذات الطبيعة الاستعمارية والتميزية والمنافية لمبادئ حقوق الانسان.

إن اعتراض كل من نتنياهو وليبرمان على تفاصيل الهدنة حسب ما رشح من وسائل الاعلام يعكس صلفاً وغروراً واضحاً بما يؤكد بأننا لسنا في مرحلة جني الثمار بل في مرحلة استمرار النضال لتعديل موازين القوى التي يمكن عبرها تحقيق الثمار السياسية.

وعليه فيجب عدم الاستعجال بالتفاعل الايجابي مع مقترحات دولية لأن اسرائيل بطابعها اليميني والمتطرف تريد ان تفرض شروط الاستسلام على شعبنا، وترفض منحة الحد الادنى من حقوقه.

من هنا فإن انهاء الانقسام وتحقيق المصالحة هي الأولوية التي يجب العمل على انجازها بدلاً من البحث عن خيارات وحلول من هنا أو هناك لا تستجيب للحد الأدنى من حقوق شعبنا.

* كاتب وباحث فلسطيني يقيم في قطاع غزة. - muhsen@acad.ps