2018-08-05

غزة على موعد مع الحياة..!


بقلم: د.ناجي صادق شراب

خيارات غزة باتت محصورة في خيارين رئيسيين: خيار الحرب الكثيفة المدمرة لما تبقى من مكونات الحياة لأكثر من مليوني نسمة، وهذا الخيار تداعياته لن تكون مقتصرة على غزة، بل قد تمتد لما بعد غزة، وقد لا ينجو منها أحد، بل إن خطورة تداعيات هذا الخيار تأتي في سياق إنتشار وإستمرار الحرب على الإرهاب والعنف، لكن هذا الخيار ستكون نتيجته المدمرة على غزة اكبر لأنها المستهدفة من هذه الحرب، وقد تفقد "حماس" والمقاومة الكثير من عناصر قوتها التي بنتها في ظروف صعبة وقاسية، وقد يصعب تعويضها، والمفاضلة هنا واضحة. وحتى إسرائيل لن تنجو من هذه الحرب لأنها قد تفتح كل الأبواب التي كانت موصدة وأغلقت كالعمليات البشرية الإستشهادية في داخل إسرائيل، ولهذا القاسم المشترك الكل يحاول تجنب هذا الخيار الحتمي، ومن هنا البحث عن إستراتيجية او مخرج يحفظ ماء الوجه للجميع.

الخيار الثاني الهدنة أو التهدئة الطويلة نسبيا والمكتوبة وبضمانات إقليمية ودولية، وهنا يبرز أهمية الدور القوي والفاعل والمؤثر لمصر والمدعوم أمميا وعربيا.

والسؤال عن العلاقة بين الخيارين؟
الحرب ليست خيارا في حد ذاتها، بل هي خيار لتحقيق أهداف سياسية، بواقعية وبدون التحليق في سماء الأهداف البعيدة التي تحتاج أكبر من قدرات غزة، وأقصد بذلك إنهاء الإحتلال بالكامل وقيام الدولة الفلسطينية، مثل هذه الأهداف تحتاج إلى رؤية وطنية فلسطينية شاملة في إطارها العربي والدولي. وبإختصار شديد أهداف أي حرب جديدة على غزة تتمثل في رفع الحصار، وفتح المعابر، وإستمكال البنية التحتية لغزة من كهرباء وماء وموانئ برية وبحرية وجوية، وبنية تعليم وصحة، وغير ذلك. وهذه الأهداف يفرضها مليونا نسمة محرومون من مقومات الحياه الكريمة. ولا شك أن هذه الأهداف لها أبعادها السياسية في دعم صمود غزة، وتقوية عناصر المقاومة فيها، ولكن ينبغي أن يربط ذلك بوحدانية القضية والشعب الفلسطيني. ولا شك أن هذه الأهداف لها ثمن سياسي على "حماس" وغزة والمقاومة دفعه.. والسؤال أي ثمن سياسي؟ وهذا هو المهم، تحديد الأهداف السياسية وعدم المبالغة فيها.

إسرائيل تريد الهدوء الحدودي مع غزة، وهذا هدف أممي، وعدم إنفجار غزة سكانيا بسبب الحصار وتزايد نسب الفقر والبطالة وإرتفاع درجة الإحباط التي يعيش فيها اكثر من مليوني نسمة، وهذا من شأنه ان يشجع على العنف وتنامي الأفكار المتشددة، والنتيجة الحتمية أن إنفجارا سكانيا لن يكون مقتصرا على غزة فقط، وستكون إسرائيل الهدف لهذه الثورة.. ثورة الحصار والفقر.. فمثلا ماذا لو تخيلنا -والخيال يمكن أن يتحول إلى واقع- إندفاع مئات الآلآف من سكان غزة نحو الحدود مع إسرائيل؟ لنتصور هذا السيناريو الكابوس لإسرائيل. الثمن السياسي هنا صيغة للتهدئة تحول دون كل هذه التداعيات، لكن صيغة التهدئة بالحرب قد تأتي بنتائج وتوقعات أقل. والخيار الثاني التهدئة بقوة المقاومة والصمود ومسيرات العودة وصفقة الأسرى، وأعتقد النتائج والمكاسب هنا قد تكون أكبر، واهمها الإحتفاظ بقوة المقاومة والقدرة على الصمود.

ولا شك أن خيار التهدئة لم يأتي إلا بعد مسيرات العودة والتضحيات البشرية والدماء التي أريقت، والتي خلقت حالة دولية وإقليمية بضرورة التدخل الأممي وإيجاد حلول للمشاكل الإنسانية والحياتية التي يعاني منها سكان القطاع على مدار سنوات طويلة من الحصار وغلق المعابر. وهذا الجديد الذي أوجدته المسيرات، انها وضعت غزة على جدول الإهتمامات الإقليمية والدولية، وتزامن هذا الاهتمام مع الحديث عن "صفقة القرن"، ومحاولة الإدارة الأمريكية فرض حلول نهائية للقضية الفلسطينية وجدت أن أحد أبوابها الواسعة غزة، وذلك ما يتوافق مع ما تريده إسرائيل بعدم قيام دولة فلسطينية وقلبها الضفة الغربية، وهنا التداخل ما بين الحلول الإنسانية وهي ملحة ولا تحتمل التأجيل، والحول السياسية، والجانب الآخر الذى إرتبطت به هذه الحلول، المصالحة الوطنية الفلسطينية، والتخوفات المصاحبة للحلول الإنسانية التي يرى البعض انها قد تحول دون المصالحة وتقوي خيار الإنفصال.. أي إنفصال غزة سياسيا عن الضفة الغربية، وهذه التخوفات قد تكون لها ما يبررها، لكن لا يمكن ربط الأوضاع الإنسانية المتردية بالوصول للمصالحة.

وفي هذا السياق جاء الدور الذي يقوم به منسق الأمم المتحدة للسلام ميلادينوف ومحاولة تفكيك العقدة الغزية بإيجاد الحول الإنسانية، وإبعاد خيار الحرب، وهذا لن يتم إلا بمسارين: التهدئة، وهي بيد حركة "حماس"، وإشراك السلطة بان تكون الطرف الشرعي الوحيد الذي من خلاله تتم هذه المساعدات. وبالتوازي مع هذا الدور يأتي الدور المصري القوي والثابت بإنهاء الإنقسام والوصول للمصالحة.

إلا ان الإشكالية ان المقاربة المتبعة هي المبادرة بالحل الإنساني، وعدم ربطه بإنهاء المصالحة، مع الإستمرار في جهود المصالحة لأنه ليس من المصلحة التعامل مع غزة على أنها كينونة سياسية منفصلة، وهذان الخياران قد يوصلان للإنتخابات السياسية التي تعيد بناء المنظومة السياسية الفلسطينية بالكامل ومنها لصياغة مشروع وطني فلسطيني يأخذا بالإعتبار كل هذه التحولات والمعطيات السياسية التي لحقت بالقضية الفلسطينية وتعمل في مسارات غير فلسطينية.

ورغم أهمية كل تلك الخيارات إلا ان خيار التهدئة لا يقبل التأجيل. ويبقى خيار المصالحة الوطنية هو المستقبل السياسي لغزة.

* استاذ العلوم السياسية في جامعة الآزهر- غزة. - drnagish@gmail.com