2018-08-03

زيارة العاروري لغزة والدور الريادي المصري..!


بقلم: د. عبير عبد الرحمن ثابت

تعكس خطوة إسرائيل بالسماح لنائب رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" صالح العارورى دخول غزة وضمان سلامته حتى الخروج منها على الرغم من أنه على رأس قائمة الاغتيالات للمؤسسة الأمنية الإسرائيلية مدى تطور المفاوضات غير المباشرة بين إسرائيل وحركة "حماس" حول وضع تسوية في قطاع غزة لأمد طويل برعاية مصرية. وخطوة من هذا القبيل لم تكن إسرائيل لتسمح بها إلا إذا كان هناك تقدما ملموسا في القضايا الأمنية التي تخص إسرائيل في القطاع وعلى رأسها صفقة تبادل الأسرى والتهدئة على الحدود بين القطاع وإسرائيل، وفي المقابل تعكس هذه الخطوة مدى قوة الدور المصري كلاعب رئيسي ووازن ومسموع الكلمة لدى كافة الأطراف في الصراع الفلسطيني الاسرائيلي.

ورغم التكتيم الشديد عن المباحثات المارتونية التي تجرى في القاهرة خلال الأسبوعين الماضيين وشح وتضارب المعلومات الآتية من القاهرة عن تطور ملف المصالحة والتهدئة مع إسرائيل؛ إلا أنه من الواضح أن ثمة تقدم كبير قد حدث في تلك المفاوضات؛ والتي من الواضح أن الطرف المصري آثر أن تكون بعيدة عن عدسات الكاميرات، ولكن التطورات اليومية العملية على الأرض من قبيل الخطوة الإسرائيلية تشي بأن هناك شوطا كبيرا قد قطع في تسوية وضع قطاع غزة على صعيد الهدنة طويلة الأمد مع إسرائيل وكذلك في ملف المصالحة الفلسطينية.

وبالتأكيد فإن أي هدنة مقترحة اليوم لن تكون كسابقاتها؛ وكذلك لن تكون تفاهمات شفهية بل اتفاق موقع بضمانات إقليمية؛ ولن يكون غريبا أن يكون هناك ضمانات دولية، وفي وضع كهذا مهما قيل عن هذا الاتفاق باعتباره كسابقيه، فهو بالتأكيد سيكون لسنوات طويلة.

ومن البديهي أن تحصل حركة "حماس" في هذا الاتفاق على شرعية ما تنقلها من قوائم الارهاب الدولية إلى قوائم اللاعبين الشرعيين. فحركة "حماس" تدرك جيدا أن اتفاق الهدنة هو تذكرة العبور الدولية لها من مرحلة الثورة إلى مرحلة السياسة؛ وهي تدير اللعبة بحكمة وتأني محسوب الخطوات بدقة، ولكن الأخطر فيما يجري أن تكون الشرعية الإقليمية والدولية التي ستحصل عليها حركة "حماس" بموجب اتفاق التهدئة على حساب شرعية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني (منظمة التحرير الفلسطينية).

لكن جمهورية مصر العربية الشقيقة بقيادتها ومؤسساتها العريقة والمخضرمة في السياسة الإقليمية والدولية أدركت باكرا هذا الخطر الاستراتيجي على القضية الفلسطينية، وهو ما تجلى في ربط الهدنة في غزة بعودة الشرعية الفلسطينية وإنهاء الانقسام الفلسطيني، لأن فصل القضيتين يعني ببساطة تحويل الانقسام إلى انفصال سياسي وضرب التمثيل الفلسطيني الموحد للقضية الفلسطينية، وعليه فإن أي تقدم في اتفاق الهدنة بين إسرائيل وفصائل المقاومة الفلسطينية سيترافق مع خطوات مماثلة في التقدم في ملف المصالحة وإنهاء الانقسام.

وهو ما يدفعنا إلى الاستبشار وإن كان استبشارا حذر في إنهاء الانقسام الفلسطيني، والشقيقة مصر اليوم تقوم بجهد استراتيجي كبير لصالح القضية الفلسطينية، وإن كان البعض لا يرى هذا الجهد القيم، إلا أن الوقائع على الأرض تبرهن أن القيادة المصرية الحكيمة تدرك جيدا الأبعاد الاستراتيجية لما يجري وانعكاساتها الاستراتيجية على الأمن القومي المصري؛ والتي تعد القضية الفلسطينية تاريخيا ركيزة أساسية فيه، ولن تسمح جمهورية مصر العربية لأي أطراف بالاقتراب من أمنها القومي بمحاولة حتى الانتقاص من دورها التاريخي والأساسي في القضية الفلسطينية؛ وقد رأينا كيف أبطل الأشقاء المصريون كل تلك المحاولات وكيف أن الدور المصري في نهاية المطاف أصبح هو الدور الأساسي والوحيد القادر على تحريك القضايا المفصلية في التهدئة والانقسام الفلسطيني.

إن الدور المصري في الإقليم وفي الصراع الفلسطيني الاسرائيلي هو دور يستمد زخمه من التاريخ والجغرافيا وليس دورا آنيا ينتهي بنهاية المصالح السياسية؛ فدور الشقيقة مصر مستمد من اعتبارها أحد أهم الركائز الحضارية والتاريخية في المنطقة والعالم، ولا يمكن لأي كان أن يستبدله ورغم ما تمر به مصر من أزمات اقتصادية وضغوطات دولية إلا أن النهج السياسي للدولة المصرية لم ينحرف قط عن مساره التاريخي تجاه القضية الفلسطينية وذلك ببساطة لوحدة المصير بين مصر وفلسطين فمصر اليوم تبدو أكثر فلسطينية من أطراف فلسطينية تدعي ذلك.

إن الكرة اليوم في ملعبنا نحن الفلسطينيين؛ في أن نستعيد وحدتنا السياسية لكي يكون بمقدورنا استعادة التضامن العربي بأقوى زخمه العملي والسياسي لدعم قضيتنا.. وتلك هي مهمة القادة الحقيقيين.

* أستاذ علوم سياسية وعلاقات دولية. - political2009@outlook.com