2018-08-02

تجاذبات غزة... حقائق أم فبركة للوقائع؟


بقلم: د. هاني الرويشي

أريد أن أقدم في هذه العجالة ملخصاً سريعاً لحال المواطن في قطاع غزة، وما يبدو أنه موضعه ومكانته في الفكر السياسي للقيادة الفلسطينية، كما أحاول أن أبرز – من خلال الأحداث والوقائع على الأرض - طبيعة الديمقراطية الحاكمة في فلسطين، وفهم قياداته للتعدد، والنشاط السياسي المعارض، وذلك من خلال التعريج على بعض القضايا الشهيرة المتداولة في الساحة الفلسطينية، بعد الانتخابات الأخيرة.

لقد كانت انتخابات عام 2006 معلماً هاماً وبارزاً من معالم تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصر، حيث شاركت كبرى حركات المعارضة لأول مرة في تلك الانتخابات، بل واستطاعت التفوق على التنظيمات المكونة لمنظمة التحرير الفلسطينية (الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني) مجتمعة. لقد كان هذا الفوز الكبير لحركة "حماس" مؤشراً واضحاً على أن بناء منظمة التحرير بحاجة إلى تصحيح، يأخذ بعين الاعتبار بروز قوى جديدة ووازنة، تمثل الشعب الفلسطيني بشكل أكبر بكثير من غيرها، وهو ما كانت "حماس" دأبت على المطالبة به قبل الانتخابات بعقود، لكن رغبة قيادة منظمة التحرير في أن تكون مشاركة "حماس" شكلية منع الأخيرة من الاندماج في تلك المؤسسة التي تمثل الكل الفلسطيني. نعم، أظهرت الانتخابات أن أغلبية الناخبين صوتوا لـ"حماس"، وبالتالي أصبح التمثيل الشعبي الذي ادعته منظمة التحرير الفلسطينية (الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني)، ناقصاً، ولا يمثل كافة أطياف الشعب الفلسطيني. ومع ذلك لا زالت قيادة المنظمة تماطل وتناور، وتنتظر تغير الظروف، كي تتملص من استحقاق استيعاب "حماس" وغيرها في بنيتها، وهو مطلب وخطوة لا تقبل الجدال إذا رغبت المنظمة بالحفاظ على تمثيلها الجامع. وأسأل: لماذا؟ أليست الانتخابات هي الحكم الذي ارتضته ديمقراطيات العالم أجمع؟ أم أن منظمة التحرير وقيادتها حكر على فصيل أو فصائل معينة، أم أنها بقية من إرث تركه لهم آباؤهم وأجدادهم؟ أو لعل حماس ليست من فلسطين، ولا تتكلم بلغتها، أو تعشق ثراها؟ منطق لا يمكن الدفاع عنه، ولا يجب.

وعندما شكلت "حماس" الحكومة، رفض كثير من الموظفين المحسوبين على "فتح" التعاون مع مسئوليهم الجدد، وحاولوا إعاقة عملهم بكل الوسائل، آملين أن لا تتمكن الحكومة من القيام بالتزاماتها تجاه المواطنين والمجتمع الدولي. وبالتوازي مع ذلك لم تستجب الأجهزة الأمنية لتعليمات وزير الداخلية الشهيد سعيد صيام، مما اضطر الأخير إلى إنشاء قوة خاصة بإمرته لتنفيذ القانون وحفظ مصالح المجتمع، تلك القوة التي رفضتها "فتح"، واعتبرت وكأن "حماس" تحاول السيطرة على غزة. وبعد جولات من المناوشات التي لا أريد التفصيل فيها، وصل الأمر إلى درجة تم فيها الكثير من الاعتداءات والثأر المتبادل بين الفريقين، إلى أن قررت "حماس" تجريد الأجهزة الأمنية التي اختبأت خلفها السلطة القديمة (التي اعتبرتها "حماس" أساس المشكلة والمحرك لها)، فكان ما أطلق عليه الحسم من وجهة نظر "حماس"، أو الانقلاب من وجهة نظر "فتح". وقد روج إعلام "فتح" لهذا المصطلح، بحيث رأينا كثيراً من الكتاب والمتحدثين يستخدمونه في كتاباتهم وحواراتهم. وهنا أيضاً لا بد من وقفة حول طبيعة ما حدث، وهل كان انقلاباً أم لا.

من وجهة نظر كثيرين، بل المنطق السياسي يؤكد أن ما حدث لم يكن سوى معالجة لتمرد فئة على السلطة الشرعية المنتخبة الممثلة بـ"حماس"، حيث كان أمام "حماس" خيارا، إما أن تتنازل عن الحكم وبالتالي تخون ثقة الناخب الذي أتى بها إلى الحكم، وأيضاً تمهد السبيل إلى حدوث نفس السيناريو مستقبلاً مع أي حزب آخر يفوز في الانتخابات (على حساب السلطة التقليدية)، أو أن تقوم بما قامت به من قمع للتمرد على السلطة الشرعية، خاصة بعد أن استنفدت الحلول السياسية لهذا الخلاف، فاختارت الوسيلة الثانية. إن ما حدث لا يمكن أن يسمى انقلابا لأن الانقلابات إنما تقوم بها المعارضة، أو أقلية غير منتخبة. أما أن تقوم الأكثرية المنتخبة والسلطة الحاكمة بانقلاب على ذاتها أو على الأقلية فهذا مما لم يحدث في تاريخ البشرية المعروف، وليس دارجاً في مفاهيم الانقلابات. وقد كان يكفي قراراً واحداً من وزير الداخلية للجم أية تجاوزات تقوم بها الأجهزة الأمنية، قراراً واحداً يجنب الفلسطينيين كل ما سبق، هذا لو كانت تلك الأجهزة تستمع لأوامره، أو تستجيب لتعليماته، لكن للأسف كان العكس صحيحاً.

ومن الممكن تأكيد هذه الحقيقة، حيث قامت أجهزة الأمن بالضفة المحتلة التي (لا تستطيع القوة التنفيذية لوزير الداخلية الوصول إليها لوقوعها تحت الاحتلال)، بالانقلاب على الحكومة الشرعية التي تسلحت فقط بشرعيتها الانتخابية وأغلبيتها التمثيلية، فقامت تلك الأجهزة الأمنية التابعة لـ"ـفتح" بإزاحة واعتقال معظم وزرائها، إضافة إلى اعتقال معظم أعضاء المجلس التشريعي من حركة "حماس" والمنتخبين من الشعب. هذا بالضبط هو الانقلاب ضد الشرعية، حيث قامت الأقلية بمصادرة حقوق الأغلبية تحت تهديد السلاح، وغلبة القوة القاهرة. لذلك، عندما يتحدث البعض عن الانقلاب، يجب أن يكون واضحاً أنه انقلاب فتح وأجهزتها الأمنية ضد حركة حماس الفائزة بالانتخابات التشريعية، وحكومتها الشرعية، والذي نجح في الضفة المحتلة، بينما فشل في غزة. إن هذه الانقلابات هي الذي أدخلت الوضع الفلسطيني في هذا النفق المظلم من المعاناة وعدم الثقة، ولو احترمت القيادة الرسمية مخرجات الديمقراطية بأمانة، لكان حالنا مختلفاً جداً هذه الأيام.

لقد استمرت محاولات "فتح" الانقلابية في غزة، حيث منعت الموظفين من الالتحاق بأعمالهم في المؤسسات المختلفة في القطاع، أملاً في إنجاح الانقلاب على حركة "حماس" المنتخبة. واستمرت في دفع رواتب الموظفين الذين استجابوا لدعوتها (إلى يومنا هذا، أي أكثر من عشر سنين)، بالرغم من وضوح فشل تلك السياسة، وعمدت مؤخراً إلى تقليص رواتبهم فجأة ودون سابق إنذار، بل وادعت فتح أنها لم تطلب من أحد الاستنكاف عن العمل، وأن الموظفين يتحملون المسئولية (بالفعل كما يقول المثل الفلسطيني: ناس تاكل جاج وناس تقع في السياج). ولم تكتف سلطة "فتح" بذلك، بل قامت بالتضييق على المواطنين في قطاع غزة، وفرضت عليهم من العقوبات ما طال كل بيت، ولا زالت لا تدخر جهداً في سبيل كسر إرادتهم وتركيعهم. والسؤال الذي يسأله العقلاء قبل غيرهم: من أنتم لتفعلوا ذلك؟ ولماذا تعتقدون أن أبناء غزة بحاجة لأمثالكم؟ ألا يكفيكم ما حققتم من مكانة، وأموال، ومصالح على حساب غزة وأبنائها؟

نعم، من المؤكد أن أموال الضرائب التي تجبيها سلطة "فتح" من المؤسسات الغزية، وتلك التي تجبيها من عوائد غزة عن طريق المقاصة، وتلك الأموال التي تحصل عليها كضرائب على الوقود والمعابر، وما تحصل عليه من مساعدات دولية وعربية باسم غزة، من المعتقد أنه أضعاف ما يتم صرفه على القطاع بكثير، وإن لم يكن كذلك فلا أعتقد أن أهل غزة الصامدة يقبلون أن يكونوا عبئاً على أحد، وهم مستعدون أن يقبلوا القليل بكرامة وعزة. لكنها آلة فبركة الوقائع وتحريف الحقائق التي تعود عليها المواطن الغزي، والتي يشتد وضوحها في غياب الخدمات الأساسية، واحترام حقوق الإنسان، والتضييق الخانق على القطاع. بالطبع، ستجادل الآلة الإعلامية الفتحاوية، وستدعي خلاف ذلك، ويتساءل كثيرون ببساطة: إذا كانت السلطة تدفع للقطاع أكثر من جبايتها، فلماذا لا تترك المسئولية الاقتصادية عن القطاع إلى حكومة غزة، وبذلك تسلم من الانتقاد والاتهامات؟ أم أن حكومة غزة ليست فلسطينية؟ أم أنه تم فرضها من أقلية باغية ولم تعينها جهات منتخبة بأغلبية كبيرة؟ إن التفكير الذي يسيطر على البعض من أنه أحرص من غيره على القضية، أو أنه الوصي على المشروع الوطني الفلسطيني، وأنه الأحق بالحكم والسيادة، هو تفكير ساذج، بعد سنوات من عمر الثورة الفلسطينية، الذي تغيرت خلاله موازين القوى بشكل كبير، وقضت تلك القيادات المحترمة التي كانت محل تقدير وإجماع الكل الفلسطيني، ولا بد للجميع من استيعاب المرحلة، والاعتراف بالواقع الجديد، بعيداً عن منطق "إما أنا أو الجحيم"..!

أما المصالحة الفلسطينية، فتكشف جوانب متعددة لأفق التفكير السياسي المنسلخ عن الواقع في كثير من الأحيان، كما توضح صورة الديمقراطية المرتقبة كما يفهمها عمالقة الكفاح والحكم في فلسطين. ففي حين تسير إسرائيل بخطىً ثابتة ومتسارعة ومدروسة لتحقيق أهدافها بتهويد القدس، وبناء المستوطنات وتوسيعها، وربطها ببعضها البعض، بما يجعل من الضفة الغربية كانتونات منفصلة، وجزر ترتبط بطرق محددة (كالخيط الرفيع)، ومزينة بحواجز الإذلال العسكرية، كذلك تشريعها للقوانين التي يمكن استخدامها لطرد الفلسطينيين والاستيلاء على أرضهم، إضافة إلى تطويرها لقدراتها العسكرية، والتلاعب بالساحة الفلسطينية، كل ذلك وغيره كثير، وكبرى التنظيمات الفلسطينية تختلف على الجباية الداخلية، ونصيب كل منها..! كما تختلف على آلية وتوقيت وجدولة رفع العقوبات عن الفلسطيني في غزة..! تختلف على رواتب الموظفين والتفريق بين مدني له عائلة وأولاد، من الممكن التفكير بالموافقة على منحه راتباً، وعسكري: هو آلة مصنوعة من جماد، وهو مقطوع من شجرة، لا يأكل ولا يشرب، ومن المؤكد أنه ليس له عائلة، وربما ليس ببشر، أو لعله غير فلسطيني..!! وقس على ذلك من تفاصيل لهذه المهزلة، التي – للأسف – تجعلنا نفقد الأمل في قدرة تلك القيادات على تحقيق الحد الأدنى من طموحات الشعب الفلسطيني.

لكن، حتى لو نجحت المصالحة، فهل ستكون مصالحة شكلية أم حقيقية، على أسس الشراكة السياسية، التي يدندن بها قادة الثورة في مقابلاتهم التلفزيونية المتكررة، وللأسف دون أن يكون لها أي وجود حقيقي على أرض الواقع؟ وفي الحقيقة، فإن تحفظات، أو ملاحظات حركة "فتح" على الورقة المصرية الأخيرة، لا يمكن فهمها، ومن وجهة نظري أنها تتناقض مع المنطق السياسي والعملي بشكل كبير. ذلك لأن "فتح" والسلطة اليوم في أضعف حالاتها، بل أصبحت تفتقر إلى الأرض السياسية الصلبة التي يمكن أن تقف عليها باتزان، بعد ضياع معظم الضفة الغربية، ومع ذلك تناور وتعترض على طوق النجاة الذي تقدمه لها المصالحة..! لقد وصلت العملية السياسية مع الاحتلال إلى طريق مسدود، بعد ذلك الدعم المعنوي الكبير الذي قدمه ترامب لإسرائيل باعترافه بالقدس عاصمة لها وغير ذلك، وبعد 25 عاماً من المفاوضات والانتكاسات السياسية، حيث أصبح حل الدولتين أبعد كثيراً مما كان عليه سابقاً، بل ويزداد بعداً يوماً بعد يوم. وفي ذات الوقت، تقلصت مساحة الأراضي التي تتحرك عليها السلطة، وبدا واضحاً أن انهيارها مجرد وقت لا أكثر. وعلى النقيض، بالرغم من الحصار المفروض على غزة منذ أكثر من 10 سنوات، وخوض المقاومة فيها ثلاثة حروب في أقل من ست سنوات، واستمرار مقاومة الاحتلال على الحدود طيلة هذه الفترة، فقد تطورت غزة بشكل لافت، وحافظت على أرضها ومؤسساتها المدنية، وأثبتت أن لديها القدرة والإرادة على التعامل مع مصر، بكل ما لذلك من تعقيدات، وكانت غزة أقرب ما تكون إلى دولة، تحكمها أنظمة وقوانين وأعراف قانونية وتنظيمية، في ظل استقرار أمني داخلي بمستوى معقول. لذلك، عندما يكون ثمن المصالحة إعادة حكم "فتح" للقطاع، فإن موضوع الملاحظات أو التحفظات يبدو أنه لا يمت إلى الواقع بصلة، وفي الحقيقة فإن مفاوضات المصالحة بين الحركتين من أغرب ما رأيت، حيث أن الطرف الأقوى مستعد لخسارة كل شيء إلى الطرف الأضعف، بحيث لا يجد المتمعن أي مطلب مصلحي حيوي لـ"حماس" ضمن بنود المصالحة، بما في ذلك إعادة بناء منظمة التحرير، الذي هو بند مطاط له بداية وليس له نهاية، كما أنه سيكون مما يمكن أن يطلق عليه أنه "تحصيل حاصل"، بعد فترة (بحكم المتغيرات الفلسطينية الداخلية والمصير المتوقع للسلطة)، ربما تكون قريبة.

لقد انبرى معظم الكتاب والمنظرين السياسيين لمحاربة إقامة دولة في غزة، بحيث أصبح الخوف يسيطر على كثيرين، من أن يناقشوا الموضوع بتجرد، وهنا من الممكن أن نتساءل: ألم يكن بند "إقامة سلطة الشعب المستقلة المقاتلة على كل جزء من الأرض الفلسطينية التي يتم تحريرها" أحد النقاط العشرة التي وافقت عليها منظمة التحرير الفلسطينية في اجتماع المجلس الوطني عام 74؟ لماذا لا تقوم دولة فلسطينية في غزة أولاً، كونه من الأمور التي يمكن أن تكون متاحة، وعند تحرير الضفة يتم بسط نفوذها عليها؟ وهذا بالطبع ليس له علاقة بالوضع النهائي، بل هي خطوة مرحلية لمباشرة سيادتنا الوطنية على أرضنا برغبتنا وإرادتنا، وإدارة الصراع من على أرضنا المحررة. ماذا لو تعثر المسار السياسي أكثر من ذلك، وماذا لو استمرت إسرائيل بالمماطلة والتسويف، ورفضت الانسحاب من الضفة الغربية، أو حولتها بالفعل (كما هو جارٍ على قدم وساق) إلى كانتونات وجزر، محكومة بالحواجز الأمنية الإسرائيلية، وبحيث تصبح الوحدة الجغرافية مستحيلة، أو حتى ضمها، فهل معنى ذلك أن الدولة الفلسطينية، كوجود سياسي، ستبقى في صفحات الكتب، وفي صدور الوطنيين؟ أليس هذا الوضع القائم أقرب ما يكون لواقع الحال؟ هل إقامة دولة في غزة يمنعنا من المطالبة بحقوقنا الوطنية، بما في ذلك المطالبة بالانسحاب من أرضنا التي تحتلها إسرائيل، وعودة اللاجئين، وغير ذلك من القضايا الوطنية، المدعومة بالقرارات الدولية؟ ويستطيع المتأمل سوق عدد غير قليل من الحجج والبراهين التي تسوغ السعي الفعلي لاستغلال الفرصة المتاحة، وإقامة دولة في غزة، في هذه المرحلة من تاريخ الصراع.

لكن، هل معنى ذلك أن تحكم "حماس" تلك الدولة؟ بالطبع لا أحد يقول بذلك، ولكن لتكن انتخابات عامة في القطاع، وليختاروا رئيساً وحكومة، ولتكن ديمقراطية حقيقية، يتداول السلطة فيها من ينتخبه الشعب بأغلبيته، كما هو الحال في المجتمعات الأخرى، وليتعلم الجميع العمل المشترك والشراكة السياسية، واحترام الحقوق والحريات، والتعايش مع الاختلافات، ولنبني المؤسسات الوطنية الحقيقية، ولنضرب مثلاً في بناء الدولة الحديثة، ولننصهر مع عمقنا العربي بحدودنا المفتوحة مع مصر. أما بقاء الحال على ما هو عليه، فلا يعدو أن يكون قتل للوقت واستمرار للأزمة، وإعادة تضييع الفرص الذي تعودنا عليه، وما هو ممكن اليوم قد لا يكون متاحاً غداً بالكلية، وتجربة الشعب الفلسطيني نفسه أكبر برهان.

إن ممارسة بعض قيادات تنظيماتنا عامة والكبيرة على وجه الخصوص، تشير إلى أن تلك القيادات لا زالت تعتقد أن ممارسة السياسة فن تتقنه، أو أنه فهلوة فطرها الله عليها، ولا يستطيع أن يجاريها في ذلك أحد. إن هذا المنطق والفهم المغلوط هو ما عصف بمصير الشعب الفلسطيني في محطات كثيرة ، وأضاع فرصاً كان لا بد من قراءة الواقع فيها بعناية، واقتناصها في حينه. إن السياسة هذه الأيام علم مقنن، وبحر متلاطم الأمواج، لا يجب أن يركبه إلا عالم بذلك العلم. فمن المؤكد أننا لن نصل إلى مبتغانا، ولن نحقق أهدافنا، ما دمنا نتعامل بردود الأفعال، ونغلب العاطفة المستحيلة على الواقع الممكن، وما دمنا نسمح للفاشل أن يحتفظ بمركزه بالرغم من فشله المتكرر، وما دامت قياداتنا نتخذ قراراتها بسرعة البرق، وكلٌّ منهم يستعظم نفسه، ويستعبد من هو تحت ولايته.

* أكاديمي وباحث، مركز الشرق للدراسات. - haniruishi@yahoo.com