2018-07-24

السياق السياسي والفكري لـ"صفقة القرن"..!


بقلم: د.ناجي صادق شراب

النزاعات الدولية والأفكار والبرامج والحلول السياسية لا تأتي من فراغ، بل يحكمها البنية الفكرية والسياسية التي تحكم من يقف ورائها، ففي هذا السياق تفهم المبادرات والحلول التي تطرح. وصفقة القرن التي تتبناها إدارة الرئيس ترامب تقف ورائها بنية فكرية وأيدولوجيه، وبنية سياسية تتعلق ببنية النظام السياسي وصنع القرار الأمريكي. وهذه المبادرة والأفكار التي تتضمنها تعكس في مجملها البنية الفكرية والسياسية السائدة في الولايات المتحدة، ومن السياق الأمني والمصالح العليا للإستراتيجية الأمريكية، ولكيفية فهم صانعو هذه المبادرة وعلى رأسهم الرئيس ترامب، وفريق عمله نائبه بينس، وصهره كوشنر وممثله الشخصي غرينبلات وسفيره في إسرائيل فريدمان، هؤلاءالخمسة الرئيسيون كيف يفكرون؟ ما العقيده التي يؤمنون بها؟ كيف ينظرون للإسرائيليين ، وكيف ينظرون للفلسطينيين؟  في هذا السياق يمكن أن تفهم هذه الصفقة. ويمكن التنبؤ إلى أين تسير.ولا يمكن فهم هذه الصفقة التي يتم التسويق لها سياسيا وأيدولوجيا وأمنيا إلا في سياق المحددات التي تحكم العلاقات الأمريكية والإسرائيلية من ناحية، ومن ناحية المنطلق الرئيس لها المحددات السياسية والفكرية التي تحكم صانع القرار السياسي الأمريكي، والتي تتحكم في صياغة الرأي العام الأمريكي.

وفي يقيني ان الفرضية الأساسية التي تنطلق منها هذه الصفقة رغبة الرئيس ترامب في الفوز بالإنتخابات الرئاسية ثانية، هذا الهدف تتحكم فيه الأصوات التي تحسم هذه الرئاسة، واللوبيات الضاغطة التي تتحكم في آليات صنع القرار، وكما هو معلوم في أدبيات السياسة الأمريكية أن النظام السياسي الأمريكي نظام مفتوح، أي تلعب فيه المؤثرات الداخلية دورا حاسما، والناخب الأمريكي اليوم تحكمه الإعتبارات والقضايا الداخلية، وبروز ما يعرف اليوم بالشعبوية والإنعزالية الأمريكية، ويلعب الدين دورا هاما في تحديد صوت الناخب الأمريكي، وفي هذا السياق إسرائيل قضية داخلية في الانتخابات الأمريكية من خلال اللوبي الصهيوني المتحكم في المال والصوت، ومن خلال القوة التصويتية الكبيرة التي تمثلها الأصولية المسيحية أكثر من خمسين مليونا. والسياق او ألإطار الأول الذي يتحكم في بلورة وصياغة الصفقة الأصولية المسيحية التي ينتمي اليها ويؤمن بها الخمسة الذين يصوغون المبادرة، هم يستمعون لما يقوله الآخرين ويترجمون ذلك حسبما يعتقدون.

أنصار هذا التيار يزيد عددهم عن خمسين مليونا، يؤمنون بان عودة المسيح المنتظرة الثانية وتأسيسه لمملكة الألف الثانية مرتبطة بعودة اليهود لفلسطين، ويدعمون بقاء إسرائيل والحفاظ على أمنها، ولا يؤمنون بقيام الدولة الفلسطينية، ونظرتهم للفلسطينيين ليس كشعب بقدر ما هم كتلة بشرية لها بعض الحقوق وأن مسؤولية فشل المفاوضات تقع على الفلسطينيين والقادة العرب، ولتحقيق السلام من منظورهم لا بد من تحقيق نصر حاسم على الفلسطينيين والعرب..! هذه الأفكار والمعتقدات تندرج أولا في عدم الإعلان الصريح بقبول حل الدولتين، وبعدم عودة اللاجئين حفاظا على يهودية الدولة، ويحملون الفلسطينيين أيضا المسؤولية لعدم إعترافهم بيهودية إسرائيل وبحق الشعب اليهودي في فلسطين.

هذه المعتقدات ستترجم وبضمنها "صفقة القرن" بصيغ وأفكار سياسية. ومع كل إدارة أمريكية جديدة يسعى أنصار هذا التيار لفرض رؤاهم على كل رئيس يأتي للبيت البيض. رأينا ذلك في بوش الابن مثلا. ويحاول ترجمة هذه المعتقدات في كل مبادرة تقدمها الإدارة الجديدة، بل إن إحتكار الولايات المتحدة لعملية السلام والمفاوضات يأتي في هذا السياق الأيدولوجي الديني..!

ما يميز "صفقة القرن" الآن انها جاءت في ظل بيئة سياسية أمريكية قوية وداعمة لكل أفكارها، وفي ظل بيئة إقليمية مهيأة وقابلة للتسوية، وبيئة سياسية إسرائيلية متقابلة معها تماما. أما السياق الآخر الذي من خلاله يتم بلورة هذه الصفقة السياق السياسي من ناحية العلاقات الإستراتيجية التحالفية التي تحكم علاقة الولايات المتحدة بإسرائيل، ومن ناحية تركيبة وبنية النظام او السلطة السياسية في كل منهما.

اليوم الذي يحكم الولايات المتحدة سياسيون يؤمنون بالفكر الديني المسيحي الأصولي وعلى رأسهم نائب الرئيس الأمريكي مايك بينس، ويهيمن على الولايات المتحدة ثالوث السياسة العسكري الصناعي والمسيحية الأصولية واللوبي الصهيوني. وبالمقابل في إسرائيل حكومة يمينية متشددة تشارك فيها بقوة الأحزاب الدينية مثل "شاس" و"يهودت هتوراه" و"يسرائيل بيتينو"، و"كولانو" و"البيت اليهودي". هناك تطابق بين الحكومتين والسلطتين، هذا التطابق يعبر عن نفسه في العديد من القضايا وفي آليات التسوية من الدولة الفلسطينية واللاجئين والمستوطنات.

وحتى القضايا الإقليمية كما في سوريا والنووي الإيراني وفي الموقف من المنظمات الدولية التي تساند الشرعية الدولية كالإنسحاب من اليونسكو ومجلس حقوق الإنسان والتهديد بوقف المساعدات عن "الأونروا"، وحتى الدول التي تؤيد الدولة الفلسطينية وأخيرا في صدور قانون من الكونجرس يمنع سياسية مقاطعة إسرائيل وأي منتوجات إسرائيلية، ويعتبرون ذلك إنتهاكا للدستور الأمريكي. والتوافق على الحل الإنساني لغزة على إعتبار انها الكينونة السياسية الفلسطينية المستقلة، وعدم القبول بقيام دولة فلسطينية في الضفة الغربية. وتجريد المقاومة الفلسطينية من سلاحها في غزة مقابل هذا البرنامج الإنساني ورفع الحصار. والعمل على تفريغ الضفة الغربية من سكانها وخصوصا في المنطقة "ج"، بالهجرة القسرية، وبتشجيع الهجرة من الريف للمدن..!

ولتحقيق أهدافها تقوم إسرائيل وبعد أمريكا بممارسة الحرب والحصار على غزة، واليوم تلوح الصفقة او تقوم على ركن أساسي ما يعرف بالسلام الإقتصادي. هذا الإطار السياسي والأيدولوجي تكمله المصالح الإستراتيجية العليا للولايات المتحدة في المنطقة وتقليص لدور الدول الإقليمية الصاعدة كإيران وتركيا، بتمرير هذه الصفقة، والعمل على خلق منظومة أمنية إقليمية، وهذا أحد اهم نقاط الصفقة.

في هذه السياقات تفهم الصفقة، ويفهم إلى إين تسير؟ إحتمالات النجاح والفشل.

* استاذ العلوم السياسية في جامعة الآزهر- غزة. - drnagish@gmail.com