2018-07-23

قانون للتمييز العنصري بقالب قومي مزعوم..!


بقلم: المحامي إبراهيم شعبان

أقر الكنيست الإسرائيلي قرب عطلته الفصلية أكثر من ستين تشريعا في عجالة واضحة، كان أبرزها ما سمي تجاوزا بـ"قانون القومية" بأغلبية 62 مقابل 55 صوتا، والذي هو في حقيقته تجاوز واضح بيّن لجميع الحقوق التاريخية والدينية والقانونية للشعب الفلسطيني بخاصة، والمصطلحات والمفردات القانونية والمبادىء القانونية المقرة والمتعارف عليها دوليا وطبيعيا وإنسانيا بل إسرائيليا بعامة.

وأصل مشروع القانون كان قد قدمه آفي ديختر رئيس الشاباك السابق والعضو في حزب "الليكود"، في رد منه على المقولة الفلسطينية التي تردد  بانتظامودون سأم أو ملل "نحن الشعب الفلسطيني هنا قبلكم، وسنبقى بعدكم، ونحن ملح الأرض في فلسطين". فأراد ديختر وشلته أن ينفي الحقائق التاريخية لوجودية الشعب الفلسطيني في هذه الديار المقدسة عبر قوته العسكرية ليثبت لنفسه ولبعض الإسرائيليين أنه موجود رغم هذه المقولة عبر غطرسة القوة وزيفها.

أجمع المعلقون على ان هذا القانون عنصري بامتياز، بل صورة واضحة للعنصرية المحظورة قانونيا. ويبدو ان الإسرائيليين مصرون على أنهم شعب الله المختار فيجوز لهم ما لا يجوز لغيرهم. فالعنصرية هي وفق ما قررته المواثيق الدولية التي صدقت عليها الدولة الإسرائيلية وأعرافها  المستقرة عالميا "كل تمييز أو  تفرقة أو استبعاد بين الناس بسبب العرق أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو الأصل الوطني أو الإجتماعي أو الثروة أو الميلاد أو اي سبب آخر". فإذا كان هذا هو الوضع فهذا القانون يفيض عنصرية من مادته الأولى وحتى نهايته. وبالتالي نحن الفلسطينيين، علينا ان نتوقف عن الثرثرة والإدانة واللعن فكفانا ثرثرة وسبابا ولعنا، بل علينا التوجه للمحافل الدولية كافة، لفضح هذا القانون وآثاره على الشعب الفلسطيني، فهذا القانون لن يستطيع الوقوف على رجليه لأنه مناهض لأبسط قيم القانون وقواعده. فمثلا علينا ان نتوجه للإتحاد الأوروبي اكبر مستورد من إسرائيل، ولمحكمة حقوق الإنسان الأوروبية، ولمجلس حقوق الإنسان، ولهيئات الأمم المتحدة، ولهيئات مواثيق حقوق الإنسان التي تحظر التمييز وهي كثيرة وبها سوابق قضائية عديدة. وهذا أمر يحتاج لجهد وعمل كبيرين، وأن لا نكتفي بالدعاء والإنتظار لأمر قادم أو حل على المشارف.

هذا القانون رفض صريح لقرار التقسيم رقم 181 عام 1947 بشقيه اليهودي والفلسطيني. فهذا القانون لا يعترف سوى بحق تقرير المصير للشعب اليهودي، وكأن هناك شعبا يهوديا واحدا في العالم أجمع، وكأن عناصر الشعب المعروفة الكتب والمراجع قد  توافرت في اليهود المنتشرين في رقاع الأرض.. صحيح أن هناك ديانة يهودية واحدة منقسمة إلى طوائف وشيع لكن كثيرا من اليهود يرفضون فكرة وجود شعب يهودي واحد في كل أنحاء العالم. فضلا عن أن القانون يفّصل حق تقرير المصير "للشعب اليهودي" بموجب تراثه وثقافته التاريخية، وهذا أمر مستحدث في القانون الدولي على مفهوم الحق في تقرير المصير الذي وجد قبل قيام الكيان الإسرائيلي وتبلور بعد إنشائه حيث رسمه بمواثيق دولية وليس عبر قانون محلي. فضلا عن أن حدودا رسمت لقرار التقسيم رقم 181 تعداها الإسرائيليون بعد عام 1947 بغزوهم كثيرا من مناطق الدولة الفلسطينية الموعودة، بحيث تم نسخ القرار وغدا قرارا جديدا مصطنعا.

من اخطر الأمور في هذا القانون، وقد أثار جدلا واسعا موضوع الإستيطان الإسرائيلي، وقد نص هذا القانون على الإستيطان واعتباره قيمة وطنية، ويجب تشجيعه وتطويره وتوطيده. ومن المؤكد أن الإستيطان جريمة حرب وليس عقبة من أجل السلام ولا خرقا خطيرا للقانون الدولي الإنساني عملا بالمادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة. بل إن ميثاق روما عام 1998 والذي أنشأ المحكمة الجنائية الدولية، جعل من الإستيطان جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية. والسؤال أين يتم الإستيطان الإسرائيلي، ألا يتم فوق أرض فلسطينية يمارس عليها الفلسطينيون حقهم في تقرير المصير. واي استيطان هذا الذي يسلب حقوق الفلسطينيين أملاكهم وأرزاقهم. وكيف وأين سيمارس الفلسطينيون حقهم في تقرير مصيرهم، أم أن حقوقهم السياسية تم التضحية بها على مذبح الدولة الإسرائيلية وشعبها اليهودي؟!

المضحك المبكي ان هذا القانون فوض ما يسمى بـ"محكمة العدل العليا" الإسرائيلية التي لها تاريخ طويل في إنكار وسلب الحقوق الفلسطينية، بأن تفصل الهوية اليهودية على القيم الديمقراطية، وأن تقيم قيم الحرية والعدالة والسلام وفق وبموجب رؤى وأحلام أنبياء إسرائيل. يا الله مفاهيم قانونية ستفصلها محكمة بموجب رؤى دينية عمرها ثلاثة آلاف عام. وكأن مفاهيم المواطنة والديمقراطية والدستورية يمكن أن تستمد من أضغاث أحلام دينية لأنبياء إسرائيل، عجبي. وبالتالي ستثور أسئلة قانونية أمام هذه المحكمة العاجزة حول المواطنة الفلسطينية وحقوقهم وحقوق أبنائهم والمولودين في هذه الديار، وستجد هذه المحكمة نفسها مسرورة بأنها مقيدة في هذه الحقوق وفق التراث اليهودي والتقاليد اليهودية..!

وضمن المغالطات الكثيرة الواردة في قانون القومية الإسرائيلي، حاول المشرع الإسرائيلي أن يحسن صورته القميئة بان أضفى حماية على الأماكن المقدسة دونما تحديد لها. وما لبث أن سمح بنص قانوني وليس بقرار إداري أو تعليمات حكومية بالوصول بحرية لأبناء الديانات إلى الأماكن الدينية. وهذا الأمر من الخطورة بمكان، فإذا كان المستوطنون يقتحمون باحات المسجد الأقصى يوميا بناء على قرار من الشرطة الإسرائيلية، فغدا سيتوفر الأساس القانوني لهذا الإقتحام عبر هذا النص القانوني.

وأخيرا وليس آخرا، قام المشرع الإسرائيلي بالنص بصورة غامضة وملتوية على أن القدس الكاملة والموحدة هي عاصمة الدولة الإسرائيلية دون اية إشارة إلى حقوق مواطنيها والساكنين فيها بشتى أنواعها. واستعمال كلمات غامضة مبهمة مثل التي استعملها المشرع الإسرائيلي ستجعل الحكومة الإسرائيلية حرة في خلق التبريرات لسحب الحقوق الأساسية والسياسية والمدنية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية من الشعب الفلسطيني المحروم من الحقوق كافة. وقد قلنا سابقا وما زلنا نقول أن الضم الإسرائيلي لمدينة القدس العربية هو اس المشاكل.

قانون عنصري يناقض الحضارة والإنسانية يحابي فئة واحدة، وبسلب حقوق الفلسطينيين الشعب الأصيل صاحب الحق في تقرير المصير. هذا القانون يجب ملاحقته وتعريته فورا في المحافل الدولية كافة، سواء أكانت قانونية أو سياسية أو اقتصادية أو ثقافية فالتأجيل لص الزمان، وليس الفقر عيبا ولا إثما، ولا جدوى من البكاء على اللبن المهراق..!

* الكاتب محاضر في القانون في جامعة القدس ورئيس مجلس الإسكان الفلسطيني. - ibrahim_shaban@hotmail.com