2018-07-21

لاءات وموافقات الرئيس عباس..!


بقلم: د.ناجي صادق شراب

لفلسطين تاريخيا رئيسان فقط جاءا بالإنتخابات والإراده الشعبية، وفي انتخابات إعترف العالم بنزاهتها وديمقراطيتها، وهو ما يعني أولا أن الفلسطينيين يجيدون ممارسة الديمقراطية أكثر من غيرهم. وثانيا أن كلا الرئيسين، ياسرعرفات ومحمودعباس، فهما وأدركا ماذا يعني أن تكون رئيسا لفلسطين، دولة وشعب تحت الاحتلال. فهو رئيس ليس كأي رئيس آخر، لابد ان تكون ممارسته للرئاسة فيها قدر كبير من المرونة السياسية والدهاء الميكافيلي، هدفه الأساس إنهاء الإحتلال واقامة الدولة الفلسطينية الكاملة. وثالثا أن يكون رئيسا فهذا معناه التمسك بالسلام والمفاوضات وهو ما يتوافق وشرعية القضية الفلسطينية، فلا يجوز ان يكون رئيسا داعية حرب ومقاومة مسلحة وعنف وقتل، وهذا امر طبيعي أن يتمسك كلاهما بالمقاومة السلمية والشرعية، والتنديد بقتل المدنيين وخصوصا الأطفال أيا كانوا، وان يرفعا شعار سلام أطفالنا وسلام أطفالكم..

انهما أدركا ماذا يعني أن تكون رئيسا لفلسطين، فلا يجوز أن تجلس في مقر الرئاسة فعليك أن تذهب وتزور كل العواصم تسخيرا ودعما وكشفا لصورة إسرائيل الإحتلالية، وهي سياسة جاءت بنتائجها اليوم، بدأها الرئيس عرفات بخطابه التاريخي في الأمم المتحدة رافعا غصن الزيتون والبندقية مخاطبا العالم: لا تسقطوا من يدي غصن الزيتون، أي غصن السلام. وهو نفس الغصن الذي رفعه الرئيس محمود عباس الذي نجح في إنتزاع دولة مراقب في الأمم المتحدة، ورفع علم فلسطين، وانضم للعديد من المنظمات الدولية التي حفظت الشخصية الدولية للشعب الفلسطيني ودولته وإن كانت تحت الاحتلال.

وما زالت معركة الشرعية والتمثيل قائمة ومستمرة وهي معركة شرسة. وهما رئيسان يعرفان ان القلم السياسي الذي يوقعان فيه على العديد من القرارات السياسية هو أصلا قلم الشعب الفلسطيني، ويحملانه لفترة مؤقتة بتفويض، فلا يمكن التوقيع به إلا لما فيه مصلحة الشعب الفلسطيني. وكما كان الرئيس عرفات حريص أن لا تنتهي حياته بخيانة وطنية، وكذلك الأمر مع الرئيس أبو مازن.. هذا هو الرئيس الفلسطيني، وحتى لوكلفه ذلك حياته كما حدث مع الرئيس عرفات، فكلمة "لا" موجودة في قاموس السياسة الرئاسية الفلسطينية، إستعملها الرئيس عرفات وقالها أول مرة في وجه الرئيس كلينتون ومبادرته التي في جميع الأحوال افضل بكثير من مما تحمله "صفقة القرن" الترامبية، وكان الأقرب للرئيس عرفات وسياسته وزار غزة ومطارها الذي دمرته إسرائيل لأنها لا تريد أن ترى أي من مظاهر السيادة الفلسطينية على الأرض.

الرئيس عباس إمتداد لهذه السياسة، فهو يعلم وبخبرته السياسية الطويلة ان حياته قد تنتهي كالرئيس عرفات ولا يبالي، بل كشف عن سمة من سمات شخصيته وهي العناد والإصرار السياسي، ويعرف ان طريق الرئاسة الفلسطينية طويل وملغم، وكل خطوة تريد منه أن يفك احد هذه الألغام. لكن فترة الرئيس عباس حملت من التطورات والتحولات السياسية ما هو اكبر من قدرة الرئاسة الفلسطينية بمفردها على تحمله.. ما عرف بـ"ثورة التحولات العربية" وتراجع وضعف دور الدولة العربية وما ترتب على ذلك من حروب ومنازعات عربية داخلية كثيرة في ليبيا واليمن وسوريا، وما تواجهه مصر من حرب إرهاب تستهدف قوة الدول وهي العمق الإستراتيجي لفلسطين، وبروز أطماع الدول الإقليمية وتوغلها في قلب المنطقة العربية كإيران.. وكل هذه الدول مهمة للقضية العربية، وفي فترة تحولات سياسية عميقة على المستوى الدولي، وصول الرئيس ترامب معبرا عن شعبوية جديدة، ودعما غير مسبوق لإسرائيل وقرارته بنقل السفارة والإعتراف بالقدس عاصمىة لإسرائيل، وفي وقت تواجه فيه أوروبا مخاطر التفكك.. والأخطر من ذلك يحكم في بيئة سياسية فلسطينية يحكمها الإنقسام والتشكيك في الشرعية السياسية، والذهاب لفرض قرارت على غزة والإتهام بالخيانة، وفي ظل حكومة إسرائيلية يمينية متشددة تسارع الزمن للتهويد والإستيطان وآخرها "قانون القومية" اليهودية.. هذه البيئة السياسية الملغمة والتي إن واجهت أي رئيس آخر لأنحنى لها وجنب نفسه مخاطرها.

لكن رغم ذلك أعاد الرئيس عباس لاءاته الشهيرة والتي ستسجل له في تاريخه السياسي الوطني، وسيسجل انه صاحب اللاءات السياسية المشهورة في السياسة الفلسطينية، وليس كما في لاءات قمة الخرطوم العربية بعد حرب 1967، فهو قال "لا" وبصوت عال ومرتفع للصفقة الأمريكية قبل ان ترى النور لأنه يعلم خفاياها وتفاصيلهأ، وقال "لا" لإحتكار الولايات المتحدة لعملية السلام بعد اليوم. وقال "لا" لمقابلة أي مسؤول أمريكي بما فيهم الرئيس ترامب نفسه، وهذه الـ "لا" ليست سهلة وثمنها السياسي كبير ليس ماليا فقط ولكن قد تكون الحياة نفسها. وقال "لا" للقدس عاصمة لإسرائيل، واكد بلا ادنى شك ان "لا" دولة فلسطينية بدون القدس الشرقية. وقال "لا" للإنقسام السياسي الفلسطيني وإن كلفه ذلك من مكانته امام شعبه بسسبب القرارات التي إتخذها في غزة على هدف عودة المصالحة. وقال "لا" لدولة مؤقتة في غزة فلا دولة بدون غزة ولا دولة في غزة بدون القدس. وقال "لا" للمفاوضات ولقاء نتنياهو رغم العديد من المحاولات التي بذلها رؤساء دول كروسيا وهي الأكثر قربا للرئيس، وقال "لا" عربيا في مواجهة أي محاولات لسلام وعلاقات مع إسرائيل قبل قيام الدولة الفلسطينية والقدس عاصمتها. وقال "لا" للعديد من سياسات الدول الإقليمية التي تحاول ان تلعب بالقضية الفلسطينية.

وبالمقابل قال نعم للسلام العادل الذي يحقق التوازن في معادلة الحقوق، والسلام خيار إستراتيجي، وهو غصن الزيتون الذي ورثه من الرئيس عرفات. وقال نعم للمفاوضات بمرجعية دولية واضحة وملزمة وبزمن محدد تفضي لقيام الدولة الفلسطينية. وقال نعم لحل الدولتين، مما يعني القبول بإسرائيل كدولة تعيش وتتعامل بجانب الدولة الفلسطينية. وقال نعم لدولة فلسطينية ديمقراطية بدون سلاح حرب. وقال نعم للمبادرة العربية وهي "صفقة القرن" الحقيقية، وقال نعم لمؤتمر سلام دولي تشارك فيه دول السلام وبرعاية الأمم المتحدة.

وأخيرا يدرك الرئيس ان القضية الفلسطينية هي من تتحكم في الرئاسة وليس العكس. ويبقى مطلوبا من الرئيس كمصلحة وطنية فلسطينية عليا أن يعيد اللحمة الوطنية الفلسطينية الواحدة وان يؤسس لبناء نظام سياسي فلسطيني ديمقراطي، ويؤسس لتقليد سياسي فلسطيني للرئاسة بلا ونعم، الرئيس الفلسطيني ورغم الاحتلال وضعف عناصر قوة القرار قادر ان يقول لا ونعم في الوقت الذي يرى فيه مصلحة القضية التي  تقوم على الشرعية الدولية والقرارات السلمية. وتبقى قوة الرئيس في قوة شعبه وقوة قضيته العادلة والقوية بحقوق شعبها وقوة قرارات الشرعية الدولية.

ونصحيتي الأخيرة للرئيس ان يصم أذنيه عن كل ما لا يحقق السلام لأرض السلام ونحن معه في معركة السلام الشرسة، وان يفتحها دائما ليسمع أنين شعبه ومطالبه.. وتذكر انك رئيس لهذا الشعب الذي جاء بك بالإنتخابات، وتقوى به.

* استاذ العلوم السياسية في جامعة الآزهر- غزة. - drnagish@gmail.com