2018-07-21

حدود الحرب الجديدة على غزة..!


بقلم: د. هاني العقاد

تتجدد المواجهة بين المقاومة والاحتلال الاسرائيلي، ولم تكن الهدنة التي اعقبت المواجهة الاخيرة عملية كسر المعادلات سوى هدنة هشة غامضة لا ضمانات فيها فتحت الباب لمواجهات قادمة. ما زالت اسرائيل لا تقبل بأي هدنة قبل وقف البالونات الحارقة والطائرات الورقة وانهاء معادلة القصف بالقصف واستخدام ما تمتلك من قوه لذلك ولا تستخدم في هذا الا التهديد والوعيد بحرب لا مثيل لها لسحق ما تمتلك المقاومة في غزة.

لم ينجح الوسطاء مؤخرا في وقف التدحرج نحو الحرب الواسعة، واليوم تبدأ اسرائيل بعملية عسكرية في غزة تستخدم فيها كل ما تمتلك من صواريخ واسلحة ولا اعتقد ان المقاومة ستبقي صامته وتقبل بعدم الرد وهنا بات المشهد مفتوحا على عملية عسكرية في القطاع.. اسرائيل هي المعتدية لأنها بدأت العملية مبكرا بعد الظهر دون دواعي وقامت بقصف كل نقاط الرصد الخاصة للمقاومة علي طول الحدود وما جاء من قنص للضابط الاسرائيلي الا لتعرف اسرائيل ان المعادلة الجديدة اليوم هو الدم بالدم ايضا.

نعم تتدحرج الامور نحو الحرب ولا نستطيع توقع مداها في الوقت الحاضر لأنها مرتبطة بتطورات المشهد على الارض  فقد تكون قصيرة وقد يتدخل الوسطاء من جديد وقد تكون حربا ساحقة باعتبارها جزء من "صفقة القرن" لان اسرائيل تريد فرض معادلات الاستسلام بالقوة على المقاومة الفلسطينية واولها هدنة طويلة الامد واستعادة جنودها الاسرى في غزة وتفكيك القوة الصاروخية للمقاومة وهذا قد يحدث بشكل او بآخر.

اليوم تصاعد المشهد بين اسرائيل والمقاومة الى درجة خطيرة جدا توحي بان اسرائيل امام عمل عسكري كبير في غزة قد لا ينتهي قريبا بالرغم مما كشف السفير محمد العمادي عنه مؤخرا بشأن مباحثات اسرائيلية مع "حماس" حول العديد من القضايا واولها الهدمة طويلة الامد، لكن المقابل والثمن قد يعيق التوصل الى أي صفقة بين اسرائيل و"حماس" لان اسرائيل لا تريد ان تدفع ثمنا باهظا لقاء ما تريد، بل انها اليوم تريد بعض التسهيلات لغزة وليس هي من سيدفع فاتورة التسهيلات بل امريكا التي ستحصل ثمن الفاتورة من بعض دول الخليج العربي. "حماس" تريد كل شيء.. ميناء ومطار واطلاق سراح الاسرى. لذا فانا اخشى ان خيار الحرب لدى اسرائيل هو الخيار الاول، بالرغم مما كشفه العمادي، وهذا ما يجعلنا نتوقع ان تستمر الحرب الحالية وتتصاعد لان اسرائيل تعرف كيف تستفيد من الحروب وكيف توظفها سياسيا، فما من حرب شنتها اسرائيل بالمنطقة الا وكان وراءها مخطط سياسي وصفقة وهذه الحرب قد تكون بالمثل..!

غزة على عتبة مرحلة فارقة فأما حرب رابعة قاسية ترسم فيها اسرائيل خارطة غزة باعتبارها مركز الحل السياسي الذي ترغب به اسرائيل وامريكا وبعض العرب واما اتفاق بين "حماس" واسرائيل دون حرب ترسم من خلاله اسرائيل ايضا خارطة غزة باعتبارها مركز الحل.. كلا السيناريوهين خطير ويصعب تصوره ويعصب قبوله، وأخطر ما في الامر ان اسرائيل اليوم وضعت "حماس" في زاوية الخيارات المحدودة التي تؤدي الى ذات النتيجة ولكن مع اختلاف الاسلوب والاجراءات. ولا استبعد ان تقدم اسرائيل على شن حرب ما مع استمرار الوساطات الدولية والاقليمية وتبادل الرسائل، لان التجارب تقول ان اسرائيل تفضل بقاء حالة الردع في اعلي مستوياتها، مما يعني ان انهيار قوة الردع الاسرائيلي بقبول وقف التصعيد في غزة دون ان تحقق ما تريد وهو وقف الطائرات الورقية والبالونات وكسر معادلات المقاومة الجديدة.

منذ ان اغلقت إسرائيل مبعر "كرم ابو سالم" التجاري كليا قبل اسبوع زاد احتمال لجوء اسرائيل للحرب لان اغلاق المعبر يعتبر عمليا تجهيز لعمل عسكري ما في قطاع غزة لفرض معادلات اسرائيل التي تتقاطع مع الصفقة الامريكية. واذا اخذنا بهذا المنحى فان المناورات التي بدأتها اسرائيل قبل اسبوع، والتي تحاكي احتلال غزة، كانت تؤكد وقوع  العملية العسكرية بالإضافة الى ان اسرائيل قامت بالفعل باستدعاء الاحتياط لدعم وتعزيز قوات الدفاع الجوي وبدأت بتعزيز كل قواتها البرية بمزيد من الدبابات وناقلات الجند. والحدث الاخير بين المقاومة وغزة اكد ان اسرائيل اليوم تريد الدخول في عملية عسكرية في غزة على الاقل جوا خلال المرحلة الاولى. ولعل حدود العملية العسكرية الحالية تؤكد ان اسرائيل تريد فرض ما تريده، ولا اعتقد ان هذا يناسب المقاومة الفلسطينية، لذلك لا اعتقد ان احدا ما يستطيع رسم حدود للحرب او تقرير نهايتها حتى الذي بدأها، وهي اسرائيل، فقد تبدا بعملية عسكرية تحريكية محدودة وتصل الى  حرب شاملة. وهنا اعتقد ان "حماس" الآن لا ترغب بالحرب ولا تريد ان تخوض حربا جديدة تنتهي بفرض شروط اسرائيلية اقسى من التي يمكن ان تحققها بالتفاوض، لذلك اؤمن ان الطرفين يفضلان التوصل لحالة الهدوء من جديد والبدء بمباحثات بين اسرائيل و"حماس" عبر طرف ثالث لتفادي أي حرب قادمة.

ويبقى السؤال، هل ستستخدم اسرائيل صواريخها للبدء بعمليات اغتيال لقيادات المقاومة ردا على قنص الضابط الاسرائيلي على حدود غزة، وهي تعرف ان هذا سيكون له تداعيات تجر الى عملية عسكرية قد تطول؟ يبقى السؤال مفتوحا وتبقي الاجابة لتقديرات ما تريد اسرائيل فرضه على الارض، لان ما يرشح من تصريحات قادتها انها تريد فرض حالة استسلام كاملة على المقاومة عبر عملية عسكرية قاسية تستهدف غزة  تكسر فيها كل المعادلات التي فرضتها المقاومة الايام الاخيرة وتفرض معادلاتها الاحتلالية بالدم والقتل والتدمير والابادة الجماعية..!

* كاتب فلسطيني يقيم في قطاع غزة. - dr.hani_analysisi@yahoo.com