2018-07-18

إنتفاضة الجنوب العراقي..!


بقلم: عمر حلمي الغول

عشية الذكرى الخمسون لثورة تموز/يوليو البعثية العراقية هبت الجماهير الشعبية في البصرة ضد النظام السياسي، معلنة رفضها لواقع وسياسات الحكومة العراقية. وكأن الجماهير العراقية تستحضر روح الثورة ولوبشكل عفوي، وكأنها على موعد دائم مع تموز العطاء والثورة. ومع أن شعارات الإحتجاجات الشعبية إتسمت بالطابع المطلبي، حيث طالبت الجماهير العراقية في المحافظات الجنوبية: بالماء الصالح للشرب، الكهرباء، الخدمات الصحية، توفير العمل للبطالة المتفشية في طول وعرض العراق، ومحاربة الفساد. لكن جوهر تلك المطالب سياسي بإمتياز، أضف إلى انها أرسلت رسائل رمزية واضحة في فعلها الشعبي، عكس البعد السياسي، فضلا عن أنها، جاءت في أعقاب العملية الإنتخابية الفاسدة بكل المعايير، التي أدخلت العراق في دوامة من فضائح التزوير، وكأن لسان حال الشعب العرقي البطل: نرفض نظامكم السياسي في الشكل والمضمون، ونرفض التبعية لحكم الملالي الإيراني، الذي سعى ويسعى لتفريس العراق الشقيق، الذي قام بتجنيس حوالي ثلاثة ملايين ونصف المليون إيراني، وأسكنهم في المحافظات الجنوبية وبغداد العاصمة لفرض الهيمنة الإيرانية على العراق العربي، لإعتقاد النظام الفارسي أن السيطرة على شعوب الأمة العربية والإقليم عموما يتم من بوابة العراق.
 
مما تقدم يخلص المراقب إلى نتيجة جلية، مفادها أن طابع وسمات الإنتفاضة الشعبية سياسي بإمتياز. ولا يمكن حصرها في البعد المطلبي فقط، رغم ان الشعارات المرفوعة ذات عناوين مطلبية.  ومما يعطيها ايضا بعدا سياسيا، عدم إقتصارها على محافظة أو مدينة بعينها، وكذا إستمرارها وتوسعها وتعمقها أفقيا ورأسيا في أوساط الشعب العراقي الشقيق، حيث مضى عليها حتى الآن عشرة أيام، وسقط خلالها ما يزيد على العشرة ضحايا ومئات الجرحى نتيجة إقدام قوات الأمن العراقية باستخدام الرصاص الحي ضد المتظاهرين العراقيين. ورغم إرتفاع عدد الإصابات إلآ ان الجماهير لم تتراجع عن خيارها، ومازالت تواصل حراكها وتمردها على نظام الحكم الطائفي والمذهبي، إضافة إلى انها إحتلت مقر محافظة المثنى في مدينة السماوة، وقطعت الطريق إلى حقل الرميلة النفطي الشمالي، وطالب العراقيون الأحرار طرد العمالة الأجنبية، بغض النظر عن جنسياتها (وقد غادر 60 أميركيا العراق خشية من تداعيات الإنتفاضة الشعبية)، وقطع المتظاهرون الطريق المؤدي لمنفذ الشلامجة الرابط بين العراق وإيران. ولهذا دلالة عميقة ذات صلة بالمسألة السياسية.

ورغم ان رئيس الحكومة، حيدر العبادي أصدر أمرا برصد 3 مليارات دولار أميركي للبصرة لتحسين شروط المعيشة، وتأمين فرص عمل للبطالة، إلآ ان الإحتجاجات مازالت متواصلة في البصرة، وإنتقلت شرارتها إلى المحافظات والمدن الجنوبية الأخرى، كما النار في الهشيم. الأمر الذي هز مكانة النظام السياسي برمته، وليس الحكومة فقط، مما دفعها وقيادة الأجهزة الأمنية للعب على الوتر الطائفي من خلال الإيعاز لضباط عراقيين عرب من أتباع "الطائفة السنية" لإخماد لهيب الإنتفاضة، غير انهم رفضوا الإستجابة لذلك، مما حدا بالنظام لإعتقال العديد منهم، ونفس الأمر تم مع العديد من الضباط العراقيين العرب "الشيعة"، وهو ما يؤشر مبدئيا لوجود بداية تمرد عسكري على نظام الحكم الطائفي، ويفتح أفق أوسع وأشمل للإنتفاضة الشعبية.

ويعرف الجميع ان البصرة والمحافظات الجنوبية ذات الأكثرية "الشيعية"، تعتبر المركز الأهم للجماعات الشيعية الطائفية، وتمثل حاضنة النظام الطائفي، لإنها من المحافظات الأكثر أمنا في أجندة النظام، حيث تتمركز فيها مراكز القوى الإسلاموية الطائفية (الشيعية) من اتباع الصدر والحكيم وجماعة بدر والفضيلة والمالكي والجعفري وغيرهم من عملاء إيران الفارسية.

مع ذلك توارى عن الأنظار اصحاب العمائم واتباع نظام الملالي الإيراني، ولاذوا في جحورهم، وبعضهم هرب من مراكز المدن المشتعلة بالإحتجاجات خشية ردود الفعل الشعبية، لإن الجماهير كفرت بهم وبشعاراتهم، كونها كشفتهم على حقيقتهم، ووصلت لقناعة راسخة أن تلك الجماعات، التي دخلت العراق على ظهور الدبابات الأميركية عام 2003، ما هي إلآ عبارة عن عصابات مافيوية، تمارس عمليات النهب والسلب، ولا تحمل مشروعا سياسيا، انما هي أداة ولعبة بيد أميركا وإسرائيل الشرقية (إيران الصفوية).

وعلى أهمية الإنتفاضة فإن أجهزة النظام قد تتمكن من إسكات صوت الجماهير الشعبية العراقية لاحقا لإكثر من سبب وعامل، غير ان الإنتفاضة الشعبيىة العراقية في المحافظات الجنوبية، حملت رسالة بالغة الدلالة، قالت فيها، ان الشعب العراقي وحدة واحدة، لا يقبل القسمة على التمزيق الديني والطائفي والمذهبي، وأن وحدة نسيجه بكل مكوناته لا تسقط هويته العربية، وكما كان العراق بوابة الجبهة الشرقية، سيبقى حارسا لها، ولن يكون مكانا للنظام الفارسي الصفوي في العراق في يوم من الأيام.

* كاتب فلسطيني يقيم في مدينة رام الله. - oalghoul@gmail.com