2018-07-18

غزة.. بين الكبرياء والعناد..!


بقلم: د. سفيان أبو زايدة

المتتبع لما يجري من تطورات على جبهة غزة، خاصة الجدل الداخلي الاسرائيلي حول كيفية التعامل مع الوضع الأمني الحالي، يدرك ان قرار العدوان قد اتخذ، ولكن بشكل مشروط، وان الثمانية واربعين ساعة المقبلة ستحدد الاتجاه.

ولا يخفى على احد ان جزء مما ينشر في الاعلام الاسرائيلي هو عبارة عن رسائل علنية للفصائل الفلسطينية في غزة، بما في ذلك التقارير والصور عن استدعاء جزئي للاحتياط ونقل للدبابات وانتشار لـ"القبة الحديدية".. جميعها رسائل بأن الجيش الاسرائيلي جاهز لخوض المعركة وهو لا يخشاها.

بنيامين نتنياهو ووزير جيشة تحت ضغط شديد من قبل بعض وزراء اليمين والرأي العام بضرورة اعطاء الضوء الاخضر للجيش باستهداف مباشر لمطلقي الطائرات الورقية والبالونات الحارقة حتى لو  أدى ذلك الى تصعيد متدحرج ينتهي بمواجهة شاملة.

في حين موقف الجيش، وهو مطلوب منه ان يكون جاهزا لكل الخيارات والتي أكثرها تطرفا الاضطرار الى إعادة احتلال غزة اذا لزم الأمر، له وجهة نظر مختلفة، خاصة رئيس هيئة الاركان الجنرال غادي ايزنكوت الذي لا يندفع باتجاه مواجهة جديدة في نهايتها، وفقا لتقديره، سيعود الوضع الى ما كان عليه.

حيث يعتبر الجيش ان القيادة السياسية في اسرائيل خاصة نتنياهو، ولاسباب ايديولوجية، لا يريد ان تكون هناك اي استراتيجية للتعامل مع غزة، ويحرص على ابقاء الوضع كما هو عليه، وبالتالي مهمة الجيش هي اطفاء الحرائق هنا وهناك وايجاد حلول ميدانية، تماما كما استطاع ان يعالج مشكلة الصواريخ بـ"القبة الحديدية"، وان كان بشكل جزئي، وكذلك مشكلة الانفاق، مطلوب منه ايضا ايجاد حل لمشكلة البالونات والاطباق الورقية الحارقة.

لكن، وعلى الرغم من ذلك، الكرة الآن في الملعب الفلسطيني، او بكلمات اكثر دقة، الكرة الآن في ملعب قيادة "حماس" صاحبة الثقل والامكانيات وبالتالي صاحبة القرار النهائي في المواجهة او تجنبها.

نعم، "حماس" هي التي ستقرر خلال الأيام القليلة القادمة ما اذا سيكون هناك مواجهة او حرب رابعة ام يتم تجنب ذلك او ربما تأجيلها الي اجل غير مسمى.

ليس هناك من شك ان الفصائل الفلسطينية في غزة مع كل ما يملكون من ارادة واصرار وكبرياء، ويقف خلفهم شعب مبدع في أساليب المقاومة لا يخشون المواجهة ولا يخشون الحرب ولا يخشون الشهادة.

واشهد ان السنوار لا يأخذ بعين الاعتبار حياته الشخصية ومستقبله او مستقبل اسرته، ومن قبلة محمد الضيف الذي تعرض الى اكثر من عشر محاولات اغتيال، وكذلك الكثير ممن ستلاحقهم الطائرات والصواريخ خلال المواجهة.

لكن السؤال: هل من الحكمة الدخول في حرب مفتوحة من أجل استمرار اطلاق الطائرات الورقية الحارقة؟ هذا السلاح المبدع الذي اخترعته غزة في مقارعة الاحتلال رغم انه لم يتسبب في موت اي اسرائيلي، ولكن استمراره سيتسبب في استشهاد مئات او قد يكون آلاف الفلسطينيين.

قد يقول قائل: وهل ستنتهي مشكلة غزة وينتهي الحصار وتنتهي الاعتداءات الاسرائيلية اذا ما توقف الفلسطينيون عن اطلاق الطائرات الورقية؟ الاجابة بالطبع لا، ولكن هل يعتمد النضال الفلسطيني من اجل الحرية وكسر الحصار على استمرار او عدم استمرار اطلاق الطائرات الورقية؟ الاجابة ايضا بالطبع لا، لان معركتنا من اجل الحرية والتحرير والاستقلال عمرها عشرات السنين، ولم تبدأ بالطائرات الورقية ولن تنتهي اذا ما توقفنا، حتى لو مؤقتا، عن استخدامها.

لو كنت مكان قيادة "حماس" التي بلا شك تستمع الى نصائح الاصدقاء والحلفاء والشركاء، وخاصة الأخوة المصريين الذين يبذلون قصارى جهدهم من أجل تفادي غزة مزيدا من الدمار والخراب ومنع وقوع عدوان رابع على أهل غزة وهم لا يقدرون على تبعاته، كنت سأحاول الاجابة على الاسئلة التالية:
هل حقا اسرائيل جدية في عدوان على غزة في الايام المقبلة اذا ما استمر اطلاق الطائرات الورقية الحارقة؟
اذا كان الامر كذلك، اذن استمرارها يعني اننا نسير نحو الحرب.

هل حقا نحن معنيين بجر اسرائيل الى عدوان؟ هل لنا مصلحة في ذلك؟ هل هذا يخدمنا ويخدم قضيتنا ويساهم في العودة وفك الحصار وتحسين أحوال الناس؟
اذا كان الجواب نعم فيجب عندها ان نستمر في اطلاق الطائرات الورقية، بل يجب مضاعفة العدد لتصبح اكثر فاعلية.

والسؤال الآخر: هل لرأي الشعب الذي سيتحمل الجزء الاكبر من العبئ اهمية في اتخاذ القرار؟
اذا كان الامر كذلك، فهل موقف أهل غزة سيؤخذ بعين الاعتبار إذا ما تم سؤالهم بشكل مباشر عن رأيهم في استمرار اطلاق الطائرات الورقية حتى وان ادى ذلك الى عدوان رابع؟ ام ان سؤالهم وموقفهم غير مهم؟

نعم الشعب الفلسطيني مبدع وقادر على التحمل اذا لزم الامر واذا كان لا مفر ولا خيار سوى الحرب.

لكني اعتقد جازما ان الغالبية العظمى من أهل غزة لا تريد حروبا ولا تريد مواجهة يمكن تفاديها، واذا كات المعادلة اما استمرار الطائرات الورقية وإما الحرب، فالاجابة بدون تردد هي أن لا احد يريد الحرب.

القرار ليس سهلا، ولكن التراجع في بعض الأحيان خطوة او خطوتين الى الوراء أفضل بكثير من الاندفاع نحو مواجهة طاحنة قد تستمر اسبوعا او شهرا او اشهر عديدة، وفي النهاية سنعود الى هدنة في احسن الاحوال مشابهة لهدنة ٢٠١٤.

التجربة الفلسطينية مريرة جدا للاسف الشديد.. فكثير من القرارات المصيرية التي تتخذ، بالامكان ان تكون بشكل مختلف وبالتالي تجنيب شعبنا خسائر لا داعي لها.

* وزير سابق وأسير محرر من قطاع غزة. - Dr.sufianz@gmail.com