2018-07-16

خطة المخابرات المصرية للمصالحة الفلسطينية


بقلم: د. هاني العقاد

عادت محاولات جهاز المخابرات المصرية للواجهة من جديد لجمع الشمل الفلسطيني وكسر الجمود الذي اصاب ملف المصالحة في أعقاب محاولة اغتيال رئيس الوزراء، رامي الحمد الله، ورئيس المخابرات الفلسطينية، ماجد فرج.

ومنذ تلك الحادثة وحتى الآن والاتصالات المصرية الحمساوية لم تنقطع على اعلي المستويات بل كانت هناك زيارة هامة جدا لرئيس حركة "حماس" واعضاء المكتب السياسي في 13 أيار/مايو الماضي، عشية المجزرة التي ارتكبتها اسرائيل بحق المتظاهرين الفلسطينيين على حدود قطاع غزة. وقد سيطر الغموض على تفاصيل هذه الزيارة والملفات التي طرحت.

كما وتدخلت مصر مؤخرا مرتين لتحديث التهدئة بين المقاومة الفلسطينية واسرائيل كان آخرها هذا الاسبوع. ولم تركن المخابرات المصرية ملف المصالحة الفلسطينية او تتخلي عنه، ورغم ما شهدته تلك الفترة من برود نسبي الا أن المخابرات المصرية استغلتها لمنح مزيد من الوقت للطرفين للتأكد من خطورة المشهد الفلسطيني في الضفة وغزة والقدس دون وحدة وطنية، خاصة وان القضية الفلسطينية اليوم باتت تواجه تحديات حقيقية على الارض تنذر بتصفيتها على مرآى ومشهد الفلسطينيين والعرب ان لم يتم مواجهتها بالوحدة الوطنية والجبهة الواحدة  والتمثيل السياسي الواحد.

ومع انتقال الملف الى السيد احمد عبد الخالق بدأت الكثير من التساؤلات عن قدرة مصر على تفكيك ملف الانقسام الفلسطيني وإعطاؤه الأولوية في ظل المحاولات الامريكية والاسرائيلية والاقليمية لتسويق الحلول الاقتصادية والانسانية لغزة على اعتبار انها قلب الصراع.

اعتقد ان المخابرات المصرية ستنقل من اسلوب تداول الحوارات والاستماع للأطراف والاطلاع على خططهم، الى البدء الفوري باستخدام عناصر ضغط موضوعية على الطرف الممانع لتحقيق المصالحة الفلسطينية.

إن فتح الملف من جديد وتحديث الاتصالات جاء بطلب من القيادة الفلسطينية وبقرار من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير باعتبار المصالحة الفلسطينية واستعادة الوحدة الوطنية الإجراء العملي لمواجهة محاولات واشنطن استغلال الانقسام الفلسطيني لفتح مدخل لمسار ما لتمرير "صفقة القرن"، ولأن الانقسام ارهق الجميع وعطل النمو الوطني واستنزف الحالة الفلسطينية، ومكن امريكا واسرائيل من ادارة الصراع لحسابهم، وعليه فان تحقيق المصالحة الوطنية باتت عملية عاجلة لإفشال كل مخططات واشنطن لإداراه هذا الصراع وتفكيك قضاياه وبالتالي اغلاق أي مداخل تفتحها واشنطن لمسارها الجديد الذي يرتكز على المشاريع الاقتصادية وتكثيف المساعدات الانسانية لغزة دون حلول سياسية شاملة وعادلة للصراع. ولإدراك القيادة الفلسطينية ان هناك في الكواليس محاولات التفاف امريكية تجري لتحييد الرئيس ابو مازن  وعزله جزئيا على الاقل عن غزة وتفعيل لعبة البدائل، وبعد ان اصبحت خطة واشنطن واضحة ومكشوفة فان الرئيس ابو مازن في محاولة أخيرة أسرع بإيفاد السيد عزام الاحمد للقاهرة حاملا معه التصور العملي لتطبيق اتفاق الشاطئ 2011 وتفاهمات القاهرة 2017. ويبقى السؤل هل تنجح المخابرات المصرية هذه المرة وتنتقل من الحوارات المكوكية عديمة النتائج الى اجراءات ملزمة لكل من الطرفين وتكون حاضرة بقوة على الارض الفلسطينية..؟

من المبكر الحديث عن تفاؤل في موافقة وفد "حماس" على ورقة الرئيس ابو مازن، لان الورقة تقترح تشكيل حكومة وحدة وطنية تشارك فيها حركة "حماس" والفصائل، واعتماد 20 الف موظف من موظفي حركة "حماس" بالقطاع، بالإضافة لحلول لسلاح الفصائل.. واعتقد ان ما جاء بالورقة يلبي الحد المطلوب لحلول وسطية، لكن اذا تمت الموافقة فاعتقد ان المشكلة تكمن في تشكيل الحكومة وبرنامجها السياسي وتسمية الوزراء بالإضافة لبناء الاجهزة الامنية وسلاح الفصائل، وهذا يتطلب اشرافا كاملا وتدخلا ايجابيا ومكثفا على الارض من قبل افراد المخابرات المصرية عند التطبيق.

لعل الايام القادمة فارقة في تحديد طبيعة الدور المصري القادم ونجاعته، فاذا كانت المخابرات المصرية تعمل عبر خطة واضحة المعالم لتحقيق المصالحة  الفلسطينية على اعتبار انها أولوية قبل أي قضايا اخرى، ولديها ما يكفي من عناصر الضغط على الطرفين، ولديها القدرة على توفير الضمانات اللازمة لتسير خطوات نحو تطبيق ورقة الرئيس ابو مازن دون اعاقة من أي طرف، وخاصة اخطر ملفين وهما تشكيل الحكومة وملف السلاح حسب جدول زمني دقيق، فان المساعي المصرية هذه المرة ستنجح وتحقق اختراقا اوليا على مستوى اعادة الثقة بين الاطراف وقبول بعضهم البعض على اساس الشراكة الوطنية الكاملة، ومن ثم الانتقال الى مهمة توحيد الجبهات الفلسطينية في جبهة واحدة قوية تحت اطار منظمة التحرير الفلسطينية وبرنامجها السياسي الرافض لـ"صفقة القرن".

اما اذا بقيت مصر تتابع خطوات تنفيذ المصالحة من وراء الزجاج فان لا مصالحة ستتحقق، واذا بقيت "حماس" تتطلع للمشاريع الانسانية والاقتصادية لغزة كأولوية قبل الوحدة الفلسطينية وقبل تشكيل حكومة وحدة وطنية تتولى تنفيذ أي مشاريع تهدف لحل ازمات القطاع دون ان تكون جزء من خطة للدخول للصفقة وتمريرها، فإننا ذاهبون الى كارثة وطنية مركبة. واذا تخلت المخابرات المصرية عن الاشراف الدقيق المحسوب، وتخلت عن ممارسة الضغط المتوازن فان فشل المخابرات امر غير مستبعد. اما اذا كانت تعمل على اساس خطة دقيقة تحسب اولويات تطبيق المصالحة وضرورات المرحلة والمخاطر التي تتهدد تطبيق المصالحة واستعادة الوحدة الوطنية وتفكيك المعيقات اولا بأول وتحييد كل قوى التدخل الخارجي  والتسلح بالقوى الشعبية الفلسطينية، وامكانية ان تتحول مصر من وسيط الى حكم اذا اعاق احد الطرفين أي خطوة مستحقة على الارض لتقول من هو الطرف المعطل وتطالب الشعب الفلسطيني بالوقوف في وجه من يمعن في اعاقة وحدته الوطنية، فإن النجاح سيكون حليفها.

* كاتب فلسطيني يقيم في قطاع غزة. - dr.hani_analysisi@yahoo.com