2018-07-16

سياسات الرئيس ترامب.. بين التهديدات والفرص


بقلم: محسن أبو رمضان

استبق الرئيس ترامب لقائه مع الرئيس الروسي بوتين في العاصمة الفنلندية هيلسنكي بإعلانه ان "كل من روسيا والصين والاتحاد الأوروبي اعداء لنا".. اثار هذا التصريح لدى العديد من المراقبين جملة من الاسئلة والملاحظات التي تعكس حالة القلق جراء السياسات التي يتبنها ترامب تجاه العديد من القضايا الدولية، في محاولة للعودة لأساليب الاستعمار الخشنة والقوة المباشرة دون تغليفها بالأساليب السياسية والدبلوماسية التي حكمت العلاقات الدولية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وتدشين منظومة الامم المتحدة.

لقد اقدم الرئيس ترامب على سلسلة من السياسيات والتطورات والاجراءات التي عبرت عن اسلوب جديد بالتعامل مع القضايا الدولية مبنية على عقلية الصفقات والمضاربات والعقارات دون الأخذ بعين الاعتبار الابعاد الحقوقية والمصالح المتوازنة والمشتركة وبما يساهم في اعادة فرض رؤيته بأساليب الغطرسة والسيطرة الجافة وبما يعري كل ادعاء سابق عن التزام الولايات المتحدة بمبادئ الديمقراطية وحقوق الانسان.

الرئيس ترامب قام بسحب موافقة الولايات المتحدة على اتفاق باريس للمناخ وكذلك على الاتفاقية الاقتصادية مع كل من كندا والمكسيك وكان سلوكه عدوانياً مع ممثلي مجموعة الدول السبعة الذين اجتمعوا مؤخراً بكندا، وقام بالضغط على الاتحاد الاوروبي بالدفع إلى ميزانية الدفاع بنسبة 2% إضافية فيما يخص نفقات حلف الناتو، كما قام برفع التعرفة الجمركية على منتجات الحديد والالمنيوم الصادرة من بلدان الاتحاد الاوروبي وكندا وكذلك على العديد من المنتجات الصينية  في محاولة للانسحاب من آليات التجارة الحرة التي دعمتها الولايات المتحدة بالسابق من خلال منظمة التجارة العالمية والعودة لآليات المنافسة الحادة والاجراءات الحمائية بعيداً عن فلسفة المنافسة الحرة والانزواء إلى الداخل ضمن شعار ترامب الذي كان يردده اثناء حملته الانتخابية اميركا أولاً.

إلى جانب القرارات والسياسات الاقتصادية التي اتخذها ترامب فقد اتخذ ايضاً سلسلة من الاجراءات والقرارات السياسية ابرزها الانسحاب الاحادي من الاتفاق النووي مع ايران "1+5" دون التشاور مع الحلفاء والشركاء وكذلك التفاوض المباشر مع كوريا الشمالية ،بالإضافة إلى السياسات الخاصة بالشرق الاوسط والقضية الفلسطينية ومنها التبني الكامل للمشروع اليميني المتطرف بإسرائيل والعمل على حمايتها بالمحافل الدولية بل والانسحاب من بعض هيئات الامم المتحدة مثل اليونسكو ومجلس حقوق الانسان التابع للأمم المتحدة واتخاذ اجراءات عملية لصالح اسرائيل ومن ضمنها قرار نقل السفارة الامريكية إلى القدس والاعتراف بها عاصمة لدولة الاحتلال، وتقليص المساعدات الامريكية إلى الاونروا بهدف تصفية قضية اللاجئين وتشريع الاستيطان وعدم اعتباره عقبة في طريق السلام ، كما كانت تردد الادارات الأمريكية السابقة.

إن سلسلة القرارات التي يتخذها الرئيس ترامب تتنافى مع قواعد القانون الدولي ومبادئ الأمم المتحدة ومنطق العلاقات الدولية وتعيد ابراز الرأسمالية بطابعها الوحشي والشرس والبعيد عن المساحيق وأدوات التجميل واستخدام وسائل الصدمة والتوتير المحسوب منهجاً واسلوباً بالعلاقات الدولية وضمن اعتقاد بأن الأموال والاقتصاد هو الذي يجب ان يكون السيد والرقم الصعب بالمعادلة والعلاقات السياسية بعيداً عن الاساليب الدبلوماسية ومصالح الشعوب والقواسم المشتركة في محاولة لاخضاع الشعوب والبلدان إلى الهيمنة الامريكية وبما يعمل على تبديد اية محاولات دولية لتغير طابع العالم احادي القطبية بزعامة الولايات المتحدة وتحويله إلى عالم متعدد الاقطاب يشمل إلى جانب اميركا بلدان اخرى كالصين وروسيا والاتحاد الأوروبي.

والسؤال هنا هل السياسات الامريكية التي يقوم بها الرئيس ترامب تعكس رؤيته الشخصية بعيداً عن المؤسسة الامريكية عميقة الجذور بالنظام السياسي؟ أم هي نتاجاً طبيعياً لمسار وتطور العولمة الرأسمالية والتي انتقلت من ادوات المنافسة والمصالح المشتركة إلى محاولات الاخضاع عبر استخدام ادوات القوة العسكرية والنفوذ الاقتصادي؟

اعتقد بالوقت الذي تشكل سياسات ترامب تهديداً لقواعد النظام الدولي فإنها تشكل في ذات الوقت فرصة لتوحيد طاقات الشعوب والبلدان لمناهضة منهج الغطرسة عبر التمسك بحق الشعوب في تقرير المصير واتباع المسار التنموي الذي تريده بالاضافة للتمسك بمبادئ الديمقراطية وحقوق الانسان كقيم ومبادئ ممكن ان تشكل قاعدة للشعوب والبلدان لمواجهة حالة الاستعمار والتوحش والشراسة التي يحاول الرئيس ترامب تعزيزها بالعلاقات الدولية.

 على المستوى الفلسطيني فالبوقت الذي تشكل "صفقة القرن" تهديداً للقضية الفلسطينية فإنها بالضرورة يجب ان تشكل فرصة لانهاء الانقسام وتوحيد المؤسسة التمثيلية الفلسطينية على قاعدة موحدة ومشتركة، حيث ان الجميع في دائرة الاستهداف ولن يقبل احد مقايضة الحقوق بالسلام الاقتصادي المزعوم، الأمر الذي يتطلب الاسراع في اتمام خطوات المصالحة بعيداً عن اية حسابات ذاتية.

* كاتب وباحث فلسطيني يقيم في قطاع غزة. - muhsen@acad.ps