2018-07-14

سقوط "العربية" المدوي..!


بقلم: عمر حلمي الغول

في خضم المواجهة المحتدمة بين الشعب العربي الفلسطيني وقيادته الشرعية لصفقة القرن الترامبية المشؤومة، والتصدي لإستغوال دولة الإستعمار الإسرائيلية في تنفيذ جرائم حربها ضد حقوق ومصالح الفلسطينيين وعملية السلام، لجأت فضائية "العربية" في الحادي عشر من تموز /يوليو الحالي إلى بث فيلم وثائق من جزأين عن نكبة ال1948 الفلسطينية، ولكن بعيون ومعايير ومصطلحات إسرائيلية، فقلبت رأسا على عقب الرواية الفلسطينية، وأساءت للكفاح الوطني التحرري، ولثورات الشعب المتعاقبة منذ عشرينيات القرن الماضي، وأنحازت بشكل غير مسبوق وفاضح للرواية الصهيونية الإستعمارية. وللأسف الشديد سعت بشكل خبيث ودنيء ووقح لألصاق شهادات بعض الفلسطينيين لتروج للبضاعة الصهيونية الفاسدة.

فمثلا وصفت العملية الإستعمارية الصهيونية لفلسطين بأنها جزء من "قانون عودة اليهود للبلاد." وكأنها بلادهم!؟ وأظهرت اليهود الصهاينة المستعمرون لفلسطين العربية، بأنهم "مهاجرين بسطاء ومظلومين". كما انها إعتبرت كفاح الشعب الفلسطيني العربي، وثورته الشعبية العظيمة 1936/1939، التي شهدت أعظم إضراب في التاريخ، والذي إستمر ستة أشهر طوال، من نيسان/ إبريل إلى تشرين أول/ إكتوبر 1936 بأنه "اعمال شغب". ليس هذا فحسب، بل انها وصفت العصابات الصهيونية ونموذجها الإجرامي "الهاجاناة"، التي إرتكبت أبشع المجازر الوحشية ضد ابناء فلسطين العزل، بأنها "جماعة مسلحة للدفاع عن اليهود الفلسطينيين". وهي تعلم، كما كل وثائق التاريخ تؤكد، أن عدد اليهود في فلسطين لم يكن يتعدى ال24 الفا حتى عام 1917، تاريخ وعد بلفور، وكانوا جزءا من الشعب الفلسطيني، ولا يوجد فيما بينهم أية صراعات من أي نوع إلى أن أُصدر الوعد، وتلته العملية الإستعمارية الصهيونية لاحقا، أضف إلى انها إعتبرت الإستعمار البريطاني لفلسطين ب"الوجود البريطاني" فيها، وكأنها حاكورة خلفية للإمبراطورية البريطانية، والأنكى أنها إعتبرت وجود بعض قوات الجيوش العربية، الذين لم يزد عددهم عن 24,473 جندي من سبعة دول عربية، بأنها قوات "غزو"، مع ان بعضها جاء لفلسطين ليس دفاعا عن شعبها الشقيق، بل لتنفيذ المخطط الإستعماري الصهيوني إرتباطا بالإتفاقات المبرمة بين قياداتها السياسية ودولة الإستعمار البريطانية والعصابات الصهيونية. أضف إلى أن قوات عصابة "الهاجانا" الصهيونية لوحدها زاد عددها عن 43 الف جندي، وهي قوات مدربة تدريبا عسكريا نخبوي، فضلا عن أن تسليحها كان الأرقى، والأكثر تطورا.

ولتتكامل عملية التطبيع الوقحة والفاجرة بين القنوات الفضائية المتورطة بالتساوق مع عملية تصفية القضية الفلسطينية، والتي تسير في فلك صفقة العصر الأميركية الوحشية، نشرت فضائية "الإخبارية" عن الفيلم خبرا على موقعها الأليكتروني لتعميم عملية غسل الدماغ العربي، بأن قناة "العربية" تنشر "فيلما وثائقيا من جزأين، يعيد صياغة قضية ولادة إسرائيل (بدل التأكيد على النكبة الفلسطينية، التي نجم عنها تشريد وطرد قرابة المليون فلسطيني من وطنهم الأم، غير ضحايا العشرات من المجازر الصهيونية) كما يراها العرب والإسرائيليون من خلال نص خال من الأيدولوجيا أو التحزب." وما هي الأيديولوجيا والتحزب إن لم يكن قلب الحقائق، وتبني الرواية الصهيونية الزائفة والإستعمارية عنوانها وجوهرها؟ وأليس ما تضمنه الفيلم الوضيع والفضيحة سوى الأيديولوجيا الصهيونية؟ ولماذا الإدعاء والإفتراء على الحقيقة بوصف موجات الهجرة الإستعمارية الصهيونية، بأنها جزءا من "قانون العودة"، التي تمت بالتنسيق والدعم مع دولة الإستعمار البريطانية، صاحبة وعد بلفور المشؤوم. وعن أية عودة تتحدث فضائيتي العار "العربية" و"الإخبارية".

وقالت "الإخبارية" شقيقة وصنو "العربية" عرابة الترويج للتطبيع المجاني، أن الفيلم يعيد النظر في اللحظات الرئيسية في هذا الفصل من القرن العشرين عبر شهادات ومقابلات مع شهود أعيان ومؤرخين من كلا الجانبين، مدعومة بصريا بصور أرشيفية أكتشفت حديثا. وكأن كل الأفلام الوثائقية الفلسطينية والعربية والعالمية الصادقة، التي حاكت الواقع وجريمة العصر الصهيونية، وللأسف بثت "العربية" و"الإخبارية" ومن على شاكلتها من القنوات العربية، التي أنشأت لإغراض ترويض العقل العربي، وللدفاع عن أنظمة العهر المتورطة في تطبيع العلاقات مع دولة الإستعمار الإسرائيلية، كأن تلك الأفلام كانت "وهما"، وليست عين الحقيقة، ولا تكفي لإبصار الأعمى عما جرى ويجرى من نكبة مروعة ودامية، مازالت فصولها حتى يوم الدنيا هذا.

ودون الإطالة في توصيف ما هية وجريمة الفضائيات المذكورة، فإن المطلوب من الفلسطينيين والعرب وكل نصير للسلام والقانون الدولي العمل على الآتي: أولا فضح وتعرية تلك القنوات المتورطة في الترويج للرواية والبضاعة الإسرائيلية الأميركية؛ ثانيا فضح من يقف خلفها، ويقدم الدعم لها من حكام وأجهزة ومؤسسات من كل الألوان والإتجاهات والمشارب السياسية؛ ثالثا مقاطعتها مقاطعة تامة، وعدم التعامل معها، وإغلاق مكاتبها في فلسطين دون تردد، لإن بثها للفيلم لا يندرج في نطاق حرية الرأي والتعبير، انما هو جزء من المؤامرة، التي يجري تنفيذها على الأرض الفلسطينية، وضد مصالح وأهداف وثوابت الشعب العربي الفلسطيني؛ رابعا مطالبتها بالإعتذار الفوري والمباشر عن جريمتها النكراء، إن كان القائمون عليها، معنيون بتبرئة ذاتهم من الفيلم اللعنة، الذي بثوه؛ خامسا عدم خشية أي ردة فعل من قبل هذا النظام أو ذاك، لإن بعض الحكام الصبيان والمراهقين، الذين لا يفقهوا في علم التاريخ، ولا يدركوا ابعاد جريمتهم إرتضوا أن يكونوا عرابي صفقة القرن، وأداة لدولة الإستعمار الإسرائيلية وعلى حساب فلسطين وشعبها الأبي.

عار علينا كفلسطينيين وعرب وأمميين مناصرين للسلام والقانون الدولي، إن لم نرفع الصوت عاليا، وإن طأطأنا الرؤس أمام ما يجري من جريمة عربية وبأدوات عربية متصهينة ومتأمركة، لم يعد مقبولا الصمت، ولا مسموحا لنا خشية أي شيء، ولن نخسر شيئا إن تصدينا لهم بالحجة والوثيقة والعلم والقانون ومرجعيات السلام. فهل نحن فاعلون؟

* كاتب فلسطيني يقيم في مدينة رام الله. - oalghoul@gmail.com