2018-07-13

سرقة إسرائيلية لمخصصات الشهداء والأسرى في وضح النهار..!


بقلم: المحامي إبراهيم شعبان

قام المجلس التشريعي الإسرائيلي والمسمى "الكنيست"، بسن مهزلة جديدة أسميت "قانونا" قبل أيام قليلة، قضى بموجبه بحجز وتجميد أموال الدولة الفلسطينية المخصصة لصالح عائلات الشهداء الفلسطينيين والأسرى الفلسطينيين بحجة "دعم الإرهاب". ويتم الإحتجاز لأموال السلطة الفلسطينية العائدة لها بموجب اتفاقية باريس الإقتصادية، ريثما تعود السلطة وتتوقف عن دفع رواتب الأسرى ومخصصات الشهداء لأسرهم. وإيغالا في التضليل تم اقتراح إنشاء صندوق تودع فيه هذه الأموال، بحيث يعوض الإسرائيليين المصابين بعمليات مسلحة فلسطينية منه، وتقام شوارع ببعض ماله، وتعزز الإجراءات الأمنية عبر ماله. كل ذلك يجري بابتسامة باهتة وتصنع حضاري وتذرع بالإنسانية ومحاربة "الإرهاب" الفلسطيني.

تزعم إسرائيل صباح مساء بأنها دولة قانون وزادها الديمقراطية وماؤها الفرد وحقوق الإنسان له. ومن سخرية القدر أنه من كثرة هذه القوانين المزعومة وبموجبها تم نهب الأرض الفلسطينية المحتلة قبل عام 1948 أو بعدها. بموجب هذه القوانين القراقوشية، لم يبق فلسطيني لم يدخل السجن الإسرائيلي، ولم تبق أرض فلسطينية إلا وصودرت أو منع البناء عليها أو حولت لخضراء الدمن، ولم تبق وسيلة تمييز ضد الفلسطيني إلا واستعملت ضده لحرمانه من حقوقه، ولم تبق عقوبة جماعية كهدم منزل الفلسطيني إلا واستعملت معه، ولم تبق هوية إلا وسحبت منه حق الإقامة وليس المواطنة، ولم يبق طفل إلا وفصل عن والديه، ولم يبق تقادم لم يسقط بل بقي بموجب قوانين البناء. إسرائيل سرقت أرضنا وعقاراتنا ومحلاتنا وماءنا ونفطنا وهواءنا وها هي تسرق أموالنا التي رصدت بموجب اتفاقية دولية.

هكذا، استعملت إسرائيل "القانون" كأداة يومية لملاحقة الفلسطيني لسلبه عقاره وأرضه وماله ورزق يومه، حتى عائلات الشهداء التي فقدت غاليها، لم تسلم من إجراءاتهم بل عرضتهم لإجراءات عقابية لم يبادروا لفعلها أو المشاركة فيها من ناحية قانونية. ولكنها العدالة الإسرائيلية المزعومة المطبقة في الأراضي الفلسطينية، عدالة لا تعترف إلا بشطب الحقوق الفلسطينية مهما كان "القانون" مجافيا لأبسط مبادىء العدالة والقانون الطبيعي. قانون يفترض توجيهه نحو العدالة بدل سلب الحقوق.

أحيانا يبلغ بي الشطط وأتخيل لو حكمنا نحن الفلسطينيين الإسرائيليين وكنا قضاتهم وسننا قوانينهم، هل سنظلمهم ونسلبهم حقوقهم الإنسانية والمالية كما يفعلون. وياتيني الجواب سريعا بأننا لا يمكن أن نفعل ذلك ونسن قوانين بمثل هذا السوء والإنحراف ولا يمكن ان نكون بهذا القدر من السوء كما هي محكمتهم المسماة عليا ولا تصدر حكما منصفا سوى أوامر احترازية للتخدير، ليس إلا.

على أية حال، من ضمن اتفاقيات أوسلو اللعينة، كان هناك اتفاقية باريس الإقتصادية، التي لم تراجع أو تحدّث لتاريخه، رغم مرور ربع قرن عليها. هي اتفاقية دولية بكل ما تحتوي هذه الكلمة من معنى وتنطبق عليها أحكام اتفاقية فينا لقانون المعاهدات لسنة 1969 عقدت بين منظمة التحرير الفلسطينية كحركة تحرر وبين الحكومة الإسرائيلية، ومن أجل مقاصد التحرر. وبموجب هذه الإتفاقية التي ذيلت الإقتصاد الفلسطيني وأتبعته للإقتصاد الإسرائيلي، تقوم السلطة الإسرائيلية بجباية الضرائب والرسوم من الفلسطينيين في الموانىء الإسرائيلية وتحولها للسلطة الفلسطينية. وتتقاضى إسرائيل نسبة من الأموال المحصلة. وكانت إسرائيل تجمد دفع هذه الأموال سابقا، وكانت تستعمل هذا الأسلوب غير القانوني عبر قرارات سياسية إدارية، فيما سبق للتهديد والوعيد وسرعان ما تتراجع عنه بسبب الضغوط الدولية، ولكن هذه المرة قلبته إلى عمل تشريعي صادر عن الكنيست الإسرائيلية.وشتان بين السياسة والقانون في العالم لكنهما في إسرائيل متطابقان وهما وجهان لعملة واحدة.

أي ان الحديث يدور هنا عن أموال فلسطينية مستحقة بشكل مطلق ولا يشاركهم فيها أحد، وأن هذا المال يملكه الشعب الفلسطيني لوحده دون منازع ممثلا بدولته أو بسلطته. وان للدولة الفلسطينية العتيدة لوحدها سيطرة تامة على هذا المال تصرفا واستغلالا وانتفاعا عملا بقواعد اتفاقية باريس وإقرار الإسرائيليين لهذه الملكية عبر الممارسات المستمرة من قبلهم بغير توقف عبر السنين والأيام، مما يشكل عرفا ملزما لهم ولنا.

اتفاقية باريس الإقتصادية يجب أن تحترم، وإسرائيل التي وقعت وصدقت على اتفاقية فينا لعام 1969 التي تشكل قانون المعاهدات العام لجميع الإتفاقيات الدولية أيا كان موضوعها وعدد الدول المنضمة إليها، يجب أن تلتزم بقواعدها وبنصوصها. وكذلك دولة فلسطين انضمت لهذه المعاهدة التي ترسم قانونا للمعاهدات.

وقد رسمت اتفاقية فينا في مقدمتها الملزمة للطرفين الإسرائيلي والفلسطيني أن تسوى المنازعات الدولية بين فرقاء المعاهدات - كحالتنا - هذه بموجب بالطرق السلمية، ومبادىء القانون الدولي، ومبادىء العدالة والحفاظ عليها، واحترام الإلتزامات الناشئة عن المعاهدات، من خلال الحقوق المتساوية للدول، وتقرير الشعوب لمصائرها، والمساواة في السيادة، واستقلال جميع الدول وعدم التدخل في شئونها الداخلية، ومنع استخدام القوة أو التهديد بها، والإحترام الأساسي لحقوق الإنسان ولحرياته.

إسرائيل تتمرد على القانون الدولي واتفاقياته، وتتعامل معه بدونية، وتقدم عليه قوانينها المحلية المخالفة للقانون الطبيعي، والتي لا تصمد أمام أي نقاش أو فحص قانوني. المشكلة أن المجتمع الدولي لا يتقدم خطوة واحدة لفحص التمرد الإسرائيلي ويفرض جزاءات أممية، وهي كثيرة، على الكيان الإسرائيلي. فإذا كان محظورا على الدولة التي لم تصادق على المعاهدة أن تسعى إلى القيام بأعمال تمتنع فيها عن تنفيذ المعاهدة فكم هو بالحري أن تمتنع أية دولة طرف لمعاهدة عن القيام بأعمال تمتنع فيها عن تنفيذ موضوع معاهدة ما.

ورب قائل لماذا لا يتوجه البعض أو السلطة للقضاء الإسرائيلي لينصفه في هذا الموضوع الإنساني. بهذا الصدد لم يكن القضاء الإسرائيلي منصفا بحق الفلسطينيين يوما. فضلا عن أن فاقد الشيء لا يعطيه. والأخطر أن القضاء الإسرائيلي سيضفي شرعية مزعومة على هذا القانون كما أضفى شرعية مزعومة لقوانين أخرى كسحب الهويات والعقارات الفلسطينية. لذا لن يكون القضاء الإسرائيلي إلا جزءا من منظومة دولته وسوف يؤكد مشروعية ودستورية هذه القوانين الباطلة.

على الدولة الفلسطينية ان تتوجه لمحكمة العدل الدولية في لاهاي عملا بموجب المادة 66 من اتفاقية فينا لعام 1969، بغية استصدار حكم يبت النزاع بينها وبين الإسرائيليين، في موضوع سرقة إسرائيل لأموال السلطة التي ستخصص للشهداء وأسرهم والأسرى الفلسطينيين فيما بعد إلا إذا آثرت إسرائيل التوجه للتحكيم الدولي وقبلت به. ويمكن للدولة الفلسطينية التوجه للأمين العام للأمم المتحدة لتطبيق بنود اتفاقية باريس بخصوص الأموال التي تجبيها من الشعب الفلسطيني. ولست هنا في صدد اقتراح الإجراءات الممكنة على الصعيد الدولي وقانون فينا للمعاهدات الدولية لعام 1969 لملاحقة إسرائيل فهذه مهمة الفنيين والخبراء في وزارة الخارجية الفلسطينية.

إسرائيل تاريخيا، ترفض وتقبل المواثيق الدولية وفق مصالحها الضيقة، ولها تاريخ حافل. ويجب أن لا نسمح لها بهذه الحرية القميئة، ويجب أن نضيق مجال المناورة أمامها في موضوع  يعتبر حقا خاصا لا يقبل التفويض ولا التنازل ولا التصرف، إلا من صاحبه ومالكه. فهذا الحق أبلج فحفظ الذات أول نواميس الطبيعة..!

* الكاتب محاضر في القانون في جامعة القدس ورئيس مجلس الإسكان الفلسطيني. - ibrahim_shaban@hotmail.com