2018-07-12

قراءة سريعة في فيلم "العربية": النكبة..!


بقلم: د. إبراهيم فؤاد عباس

لا أعرف "قناة الحربي" التي أعدت فيلم النكبة  أو أنتجته، وعلاقتها بقناة "العربية"، وعما إذا كان المقصود بالنكبة النكبة اليهودية (الهولوكوست).. أم النكبة الفلسطينية (مذابح وترانسفير 48) أم الاثنين معًا؟! إنما ما يهمني في "الفيلم" المعلومات التي قدمها للقارىء، والهدف من بثه الآن، وفي هذا الوقت بالذات. كما لا يهمني الجانب الدعائي من الفيلم، ما يهمني بالدرجة الأولى – كمؤرخ – المعلومات التي يحتويها، ومدى صحتها، كما يهمني أكثر ما إذا كان الفيلم محايدًا أم منحازًا.

والحقيقة انني لم أتابع الفيلم عبر التلفاز، وإنما شاهدته عبر "الفيديو" من خلال "الجوال"، وهو ما جعلني أصف قراءتي له بأنها سريعة.  أول ما لفت نظري في الفيلم مشهد الملك فيصل يرحمه الله وهو في طريقه لدخول مبني الأمم المتحدة في نيويورك عام 1947، وتوقعت الإشارة إلى الخطاب الذي ألقاه من على منبرها في ذلك اليوم من شهر نوفمبر، والذي يعتبر أقوى مرافعة في الدفاع عن القضية الفلسطينية حتى الآن، إلا ان الفيلم مر على هذا الحدث الهام مرور الكرام. أما أهم ملاحظة في متابعتي للفيلم هو أن الراوي الأساس له امرأة يهودية (دينا بورات)، وأن عدد المتحدثين الفلسطينيين أقل من عدد المتحدثين اليهود، ومع احترامي للمتحدثين الفلسطينيين، إلا انهم ليسوا من الشهرة والدراية المعرفية بتاريخ القضية الفلسطينية بالشكل الذي يتطلبه انتاج مثل هذا الفيلم الذي يدرك منتجوه ومقدموه جيدًا أن ملايين العرب سيتابعونه، وبالرغم من أن أحدهم – رجاء شحادة- هو محام وروائي معروف يكتب رواياته باللغة الإنجليزية،إلا انه لم يمنح الوقت الكافي للتعبير عن وجهة النظر الفلسطينية.

في المواضيع الحساسة التي يتطرق إليها مثل مسألة بيع الفلسطينيين لأراضيهم، وعلاقة الحاج أمين الحسيني بالنازي، كنت أتمنى أن يقدم الفيلم حقائق التاريخ وليس الأكاذيب الصهيونية، ففي مسألة بيع الفلسطينيين لأراضيهم، الذي يعتبره الفيلم بأنه كان أمرًا عاديًا،  فإنه إذا كان قد حدث شىء من هذا وفي نطاق محدود للغاية، فإن دراسة د. هند البديري (أراضي فلسطين بين مزاعم الصهيونية وحقائق التاريخ) ومن خلال مصادر يهودية، وباعترافهم،  تثبت أن  نسبة بيع الفلسطينيين لأراضيهم  لم تزد عن 9. 0 %، أي أقل من 1 % فقط من جملة الأراضي التي انتزعها اليهود في فلسطين من ملاكها العرب بيعًا.

ويورد مفتي القدس الحاج أمين الحسيني ( 1895-1974) – يرحمه الله- ملخصًا وافيًا في تفنيد هذه الفرية من خلال الأرقام والإحصاءات الموثقة على النحو الآتي:
مساحة فلسطين: 27 مليون دونم (الدونم كيلومتر مربع)
مجموع ما استولى عليه اليهود حتى النكبة (15 مايو 1948): 2 مليون دونم (أي حوالى 7% من مجمل أراضي فلسطين).
 ما تسرب إلى اليهود من عرب فلسطين:250 ألف دونم (أي نحو الثمن)، معظمها ذهب نتيجة نزع ملكية الأراضي العربية وفقًا للمادة الثانية من صك الانتداب.

باقي ما تسرب إلى اليهود:
650 ألف دونم استولوا عليه في عهد الحكومة العثمانية - خلال حقبة طويلة- من الأراضي الأميرية بحجة إنعاش الزراعة وإنشاء مدارس زراعية.
200 ألف دونم منحتها حكومة الانتداب البريطاني لليهود من أملاك الدولة دون مقابل.
200 ألف دونم أخرى، منحتها حكومة الانتداب لليهود لقاء أجرة رمزية (وهي من أملاك الدولة أيضًا).
600 ألف دونم اشتراها اليهود من الأسر اللبنانية والسورية.

ومعروف أن هذه الأكذوبة الكبرى التي تعتبر أيضًا إشاعة مغرضة، وتهمة باطلة الهدف منها صرف الأمة العربية عن تأييدها ودعمها للقضية الفلسطينية،  وتشويه النضال الفلسطيني، وبما يقدم خدمة مجانية للصهاينة، مغتصبي الأرض الفلسطينية، لأن المعنى المباشر لهذا القول إن ارتباط الفلسطيني بأرضه كان هشًا، وانه فرط بأرضه بمجرد شعوره بالخطر الصهيوني، فيما أن سقوط مئات الآلاف من أبناء الشعب الفلسطيني خلال مسيرته النضالية الطويلة على مدى أكثر من مائة عام، يدحض هذه الأكذوبة الكبرى.

أما ما يتعلق بأكذوبة الدعاية المغلوطة بأن مفتي فلسطين الحاج أمين الحسيني  شريك للنازي في (المحرقة)، لمجرد انه فر من بطش الاحتلال البريطاني لبلاده إلى ألمانيا خلال تلك الفترة، ويصورون الأمر كما لو أن الحسيني هو الذي أوحى لهتلر بالمحرقة، فإن الحقيقة التاريخية تؤكد أن هتلر كان قد دعا في يناير 1939 إلى إبادة اليهود، أي قبل وصول الحسيني إلى ألمانيا بعامين، وعندما كانت "المحرقة" قد بدأت بالفعل. ويؤكد د. عبد الوهاب المسيري (موسوعة المفاهيم والمصطلحات الصهيونية) أن هتلر – على عكس ما يروجه الصهاينة- اتخذ موقفًا عنصريًا من العرب، وعندما طلب الثوار الفلسطينيون من ألمانيا النازية تزويدهم بالسلاح رفضت ذلك، "بل إنها حملت أعضاء الجالية الألمانية في فلسطين على الوقوف موقف الحياد من الصراع العربي – الصهيوني".

والصهاينة  في سعيهم لخداع العالم بهذه الأكذوبة يضعون  صورة المفتي الحسيني إلى جانب صورة هتلر في مدخل متحف "ياد فاشيم" (الكارثة والعدوان) في القدس الغربية.  لكن الحقيقة التي يتغاضى عنها الفيلم هي مسألة تعاون الصهيونية مع النازية لتحقيق أهداف اقتصادية وترحيل أكبر عدد من اليهود إلى فلسطين، وهو ما كشف عنه الرئيس الفلسطيني  محمود عباس (أبو مازن) في أطروحته لنيل شهادة الدكتوراة من معهد الاستشراق في موسكو بعنوان "الوجه الآخر: العلاقة السرية بين النازية والحركة الصهيونية". ويؤكد الصحفي والمؤرخ الإسرائيلي توم سيجف (كتابه: تحت حماية الجستابو)، أن الصهاينة تعاونوا مع النازيين على إبادة اليهود، "بل أن بعضهم شارك في العمليات مثل كاستز". وانكشفت فضيحة كاستز بعد قيام إسرائيل وتحديدًا في العام 1953، عندما تبين أن أدولف أيخمان مجرم الحرب النازي الذي كان مسؤولاً عن تهجير اليهود من هنجاريا عام 1944، سبق وأن قام بعقد اتفاق مع كاستز يسهل أيخمان بموجبه هجرة اليهود المنخرطين في الحركة الصهيونية مقابل سكوتها عن مصير اليهود غير الصهاينة.

كنت أتمنى أن يكشف فيلم "العربية" (الوثائقي) عن هذه الحقيقة التاريخية، لكنه – مع شديد الأسف- قدم رواية أخرى للتاريخ بتبني مقولة جديدة لم يسبق أن سمعنا بها: (المذابح الفلسطينية ضد اليهود)؟! وهي أكذوبة أخرى لا أساس لها من الصحة،  ففي كل المواجهات التي حدثت بين اليهود وعرب فلسطين، ومنذ عشرينيات القرن الماضي، كان عدد القتلى من العرب يفوق عدد القتلى من اليهود، تعلمون لماذا؟ لأن سلطات الانتداب البريطاني كانت تسمح لليهود بالتسلح وإقامة معسكرات التدريب، وتحظر على الفلسطينيين مجرد حمل السلاح. ولولا هذه المعاملة الخاصة لليهود لما ترعرعت عصابات "الأرجون" و"الهاجاناة" و"شتيرن" في أحضان سلطات الاحتلال البريطاني لفلسطين، ولما تحقق وعد بلفور على أرض الواقع. أكذوبة أخرى روج لها الفيلم، بأن إسرائيل كانت دولة فقيرة لا حول لها ولا قوة، نصف سكانها أميين (اليهود السفارديم)، وانها استطاعت في بضع سنين قليلة أن تصبح دولة متقدمة بمعدل نمو بلغ 10% دون أي إشارة للمساعدات الأمريكية. أعتقد انه يتوجب علينا أن نقرأ كتاب ستيفن جرين "الانحياز" قبل تقبل هذا القول..!
 
تنحصر أهمية الفيلم – في رأي – في إظهاره معلومات جديدة مثل القول بأن "الهولوكوست" ضد اليهود في أوروبا لم ينته بنهاية الحرب العالمية الثانية، عندما وضع اليهود في معسكرات اعتقال في بلدان أوروبية لا تختلف عن المعسكرات النازية إلا في كونها معسكرات ليست للإبادة.. أخيرًا فلابد من التنويه بمحاولة إظهار الفيلم بتحليه بالموضوعية من خلال الاستعانة بإسرائيليين (معتدلين) مثل الصحفي الإسرائيلي في "هآرتس" جدعون ليفي، لكن، وبالرغم من ذلك يمكننا أن نخلص إلى القول بأن فيلم العربية (النكبة) لم يكن موفقًا لا ثائقيًا ولا تاريخيًا ولا حياديًا.. وحتى لو سلمنا بأن الفيلم كان حياديًا، فعلينا أن نتساءل: هل المطلوب منا أن نكون حياديين فيما يتعلق بحقوقنا المشروعة ومقدساتنا المغتصبة؟!

* كاتب فلسطيني- الرياض. - ibrahimabbas1@hotmail.com