2018-07-08

كنفاني ولادرا والخزان..!


بقلم: عمر حلمي الغول

في الثامن من تموز تحل الذكرى الـ 46 لرحيل القائد والمفكر والأديب غسان كنفاني، الذي إغتاله الموساد الإسرائيلي في بيروت، عاصمة لبنان. وهي ذكرى أليمة ومرة وقاسية، لإن الشعب العربي الفلسطيني خسر مناضلا من طراز إستثنائي، نذر حياته باكرا جدا منذ أدرك نكبة شعبه فحمل معول الدفاع عن أهدافه الوطنية والقومية والأممية. وإستجابة منه لنداء القضية والشعب إنخرط في صفوف حركة القوميين العرب، وإحتل موقعا قياديا متقدما في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، حيث وقف على رأس الإعلام المركزي للجبهة، وتولى رئاسة تحرير مجلة "الهدف"، لسان حال الشعبية حتى إستشهاده في 8 تموز/ يوليو 1972.

تميز غسان كنفاني عن مجايليه بغزارة الإنتاج المعرفي والأدبي والفكري السياسي. حتى إحتل مكانة متقدمة في مواجهة المشروع الإستعماري الإسرائيلي، مما حدا بقادة جهاز الموساد تتبع أنفاسه، وملاحقته في أكثر من مكان، إلى أن تمكنوا منه، معتقدين أنهم بخطف حياته، يمكنهم أن يوقفوا طرقه على جدران خزان الثورة. لكن ابو فايز العظيم مازال حيا، ويقرع مع ابو الخيزران وكل الوطنيين الشهداء والأحياء من مختلف المشارب والإتجاهات السياسية جدران خزان الثورة والسلام.

لم يمت غسان أبدا، وإن وري جسده الثرى، نعم توقف قلمه عن الإنتاج الفكري السياسي والأدبي، ولم يعد يشرب قهوة الصباح من يدي ام سعد، وترك مكتبه في مجلة الهدف على كورنيش المزرعة في مدينة بيروت لمن تابع مشوار العطاء. لكنه بما أنتج من روايات ودراسات ومقالات ولوحات فنية، ظل واقفا وشاهدا وحكما على مسيرة الصراع، كما حنظلة ناجي العلي. لم يغادر المكان ولا الزمان، لإن ما قدمه من دروس وعبر وإلهام أدبي وفكري سياسي، مازال طريا وقابلا للإستلهام حتى يوم الدنيا المعاش.

وهنا عبقرية غسان، الذي وافاة الأجل باكرا، وباكرا جدا عن 36 عاما، لإن الإسرائيليين القتلة لم يمهلوه طويلا في إكتمال قمره ونضوج سنابله، وحصاد حقله، والإنتهاء من بناء معالم لوحاته، ولخشيتهم من عطائه، وسعة أفقة، وتدفق إنتاجه على الصعد والمستويات المختلفة، أصدروا حكما بالإعدام عليه من خلال تفجير جسده النحيل مع إبنة أختة لميس نجم بالقرب من دار الصياد في بعبدا.

ورغم ذلك بما قدم وأبدع وأنتج من معارف تبوأ مركز الصدارة بين أقرانه ومجايليه من الفلسطينيين والعرب وحتى الأجانب، فإستحق عن جدارة وصفه بالمبدع الشامل، لإنه أبدع في كل حقل من حقول المعرفة والفن. ومن يعود ويقرأ غسان كنفاني سيجد، انه يحاكي واقعنا ومعاناتنا ومأساتنا وبؤس حالنا، ويضيء أمامنا بدمه قنديلا لينير درب الآلام الفلسطيني العربي حتى بلوغ المشتهى الوطني والقومي.

بنجامين لادرا قرع، هو الآخر قرع على جدران خزان الرأي العام العالمي. بنجامين الشاب السويدي المناضل الأممي أمضى أحد عشر شهرا سيرا على الأقدام من بلاده في أوروبا الإسكندنافية حتى جسر العودة على نهر الأردن، الذي وصله الأسبوع الماضي كي يدخل إلى أرض فلسطين المحتلة، ليعلن للعالم أجمع عن رفضه لجريمة العصر، وخذلانه من صمت وتخاذل العالم مع دولة التطهير العرقي الإستعمارية الإسرائيلية، لإنه حتى الان لم يملك  (العالم) القرار والإرادة لفرض الحل السياسي وفق مرجعيات عملية السلام وقرارات الشرعية الدولية، ومازال أسيرا وخاضعا لمحددات وعد بلفور المشؤوم. وليقل لكل ذي بصيرة سياسية أن الإستعمار الإسرائيلي للأرض الفلسطينية العربية، هو إستعمار لكل العالم الحر، وهو إهانة وعار على جبين البشرية، التي دخلت من عقدين خلت الألفية الثالثة، ومع ذلك تواصل إسرائيل الكولونيالية إستعمار الأرض الفلسطينية.

ورغم أن لادرا لم يتمكن من دخول اراضي دولة فلسطين المحتلة في الخامس من حزيران/ يونيو 1967 نتيجة رفض سلطات الإستعمار الإسرائيلية السماح له بذلك بعد ان أوقفته ست ساعات، لإنها خشيت منه، كما تخشى من كل صوت مهما كان صغيرا وضعيفا ينادي بمنح الشعب العربي الفلسطيني الحد الأدنى من حقوقه الوطنية، إلآ انه تمكن من إيصال رسالة سياسية عميقة الدلالات للعالم كله من أقصاه إلى اقصاه، عنوانها: نعم لحرية الشعب العربي الفلسطيني، لا للإستعمار الإسرائيلي، لا لكل من يتواطىء مع إسرائيل الإستعمارية وخاصة الولايات المتحدة، ولا لصفقة القرن المشؤومة، ونعم لإعتراف أوروبا الغربية إسوة بدولته السويد بدولة فلسطين.

بنجامين لادرا، هو نموذج آخر من المناضلين الأمميين المبدعين، الذين منحوا فلسطين وقضيتها جزءا مهما من حياتهم، ليعلنوا عن وقوفهم وتضامنهم العظيم مع كفاح شعبها التحرري. نعم، لا يملك بنجامين سلاحا، ولا مالا، ولا قوة التقرير في الشأن السياسي، لكنه إمتلك الإرادة الفولاذية للتعبير عن رفضه للإستعمار الإسرائيلي، وإمتلك بمسيرة أحد عشر شهرا سيرا على الأقدام من بلاده لحدود فلسطين مع الأردن الشقيق قوة العطاء والشجاعة والنبالة السياسية والأخلاقية والأدبية والإنسانية، وأرعب قادة حكومة الإئتلاف اليميني المتطرف، وكشف عن عجزهم، وجبنهم، وإفلاس ذرائعهم الإستعمارية، وغطى رؤسهم بالعار.

وسيبقى هناك من يقرع الجرس إسوة بغسان كنفاني الشهيد القائد والمفكر والأديب البطل وببنجامين لادرا، المتضامن الأممي الشاب، سويدي الجنسية والقومية، وبتعاظم عمليات القرع لجدران خزان الإستعمار الإسرائيلي، سينهار المستعمرون القتلة ذات فجر قريب.

* كاتب فلسطيني يقيم في مدينة رام الله. - oalghoul@gmail.com