2018-07-08

نسف المسار الامريكي "غزة اولا"..!


بقلم: د. هاني العقاد

بدأ اللعب على المكشوف وبدأت الامور تتضح اكثر فاكثر، وبدأت رموز العقد تتفكك وبدأ المواطن العادي يجمع اوراق فهم المرحلة مع البدء بمراحل اجرائية كبيرة لتطبيق "صفقة القرن". كل الاطراف اصبحت تلعب على المكشوف مع ان اوراق اللعب كلها بيد واشنطن وهي التي توزع الورق وتترأس الطاولة ولا تسمح لأحد بان يتجاوز الحدود المرسومة للخطة التي دخلت حيذ التنفيذ بمجرد ان اعلن ترامب عن القدس الفلسطينية عاصمة لإسرائيل في اكبر تحد امريكي لمشاعر المسلمين والعرب، وفي اكبر حالة اختراق للقانون الدولي على الملأ، دون وجل او خوف من ما سيكتبه التاريخ لان واشنطن تعتقد انها هي التي تكتب التاريخ وليس شعوب المنطقة التي تعتبرهم امريكا "شعوب معطلة التفكير"، وشعوب غير قادرة على الوقوف وحدها في وجه التحديات بالرغم من امتلاكها لأكبر رأس مال بالعالم، وهذا ما جعل سياسية الولايات المتحدة تجاه تلك الشعوب تنجح لتبقى تبعيتها لأمريكا ابدية ولتذهب ثرواتهم للخزينة الامريكية، وتبقى مواردهم الطبيعية ملك لأمريكا ويبقى عسكرهم حراسا على تلك الثروات التي لا يملكوها ويبقى العسكر الامريكي حراسا على بوابات اماراتهم..!

تستشعر القيادة الفلسطينية بخطورة ما يجري على الارض من محاولات امريكية لتصفية القضية الفلسطينية والعمل مع أي طرف فلسطيني يقبل بذلك. وما المحاولات التي تجري اليوم تحت مسميات مختلفة انسانية واقتصادية وغيرها تستهدف غزة ما هي الا الخطوة الثالثة بعد اعلان ترامب القدس عاصمة لإسرائيل وتفيك قضية اللاجئين الفلسطينيين وتقزيم عمل وكالة الغوث الدولية وتحويل ملفات اللاجئين الفلسطينيين الى مفوضية اللاجئين بالأمم المتحدة، كل هذه الخطوات هي عبارة عن خطوات اجرائية اولية للتهيئة للصفقة الكبرى، صفقة ترامب الملعونة، وما تسوقه الولايات المتحدة الآن هو قضية غزة لتكون عنوان القضية الفلسطينية.. وحلها يعني حل الكثير من الرموز في طريق انهاء الصراع، وهذا من اخطر ما تتعرض له القضية الفلسطينية من تشويه وتزوير ولا تأتي الا في اطار التفكيك والتجزئة للقضايا الكبرى. ومع كثرة ما تتحدث به التقارير الاعلامية الموجهة عن غزة باتت امريكا تروج فكرة حل الصراع على مبدأ "غزة اولا" لتعيد الكرة من جديد مع فصيل فلسطيني آخر خارج منظمة التحرير مستغلة  قضية غزة المحاصرة منذ سنوات وظروف شعبها المسحوق والفقر والمرض والحاجة للمياه الصحية والكهرباء والدواء والحاجة لتطوير البنية الاقتصادية لحل ازمة البطالة والفقر بين الشباب والحاجة لربط غزة بالعالم عبر مطار وميناء لصالح الالتفاف على قضايا الصراع، وبالتالي تقزيم القضية الفلسطينية لتشريع ضم اسرائيل كل اراضي الضفة بما فيها القدس والأغوار مقابل دولة فلسطينية مؤقتة في غزة مع حقوق ممارسة الشعائر الدينية في المسجد الأقصى والحرم الابراهيمي.

مبدأ "غزة اولا" لن ينجح فقد جربناه لمدة عشرين عاما وفشل، وبالتالي بات مفهوما ان حل الصراع على اساس الحلو المرحلية وحل "غزة اولا" لن ينهي الاحتلال للضفة الغربية وسيقفز عن القدس واللاجئين واي حلول شاملة وعادلة وبالتالي لن تعيش شعوب المنطقة بأمن واستقرار، وهذا ما ننتظر سماعه من كل الفصائل الفلسطينية وخاصة حركة "حماس" التي باتت تتجه لها عيون الامريكان وعرابيهم بالإقليم باعتبارها الطرف البديل لمنظمة التحرير الفلسطينية الرافضة لأي حلول امريكية مرحلية ومؤقتة كمشروع "غزة اولا" الذي يأتي ضمن مرحلة تطبيق "صفقة القرن".

من اهم الاجراءات العاجلة  لنسف المسار الامريكي الحالي باتجاه مبدا الحل القائم على "غزة أولا" هو تمتين الجبهة الفلسطينية وهذا يتطلب عمليات عاجلة توقف اختزال الصراع في قضية غزة وازماتها، وبالتالي البدء بإجراءات تهدف لتقديم حلول اقتصادية انسانية لغزة فقط بعيدا عن التعامل مع غزة على انها جزء من قضية اكبر وهي قضية حق تقرير المصير وانهاء الاحتلال الاسرائيلي واقامة الدولة الفلسطينية على حدود العام 1967 وعاصمتها القدس، وبعيدا عن أي اعتبارات او اعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني والمكلف من قبل الشعب الفلسطيني بالتفاوض في اطار حل شامل وعادل للصراع.

ولابد من العمل ضد عقارب الساعة باتجاه استعادة الوحدة الوطنية بأي ثمن لوقف ما يبني عليه الامريكان لتفتيت قضايا الصراع ورمي فتات الحلول لغزة الذي سيعمل على الغاء كل قرارات الشرعية الدولية والمرجعيات المشروعة لحل الصراع، لان استمرار الانقسام الفلسطيني يعني استمرار اختراق الجبهة الفلسطينية، وتمتينها اصبح مطلوبا حتى لا يسهل هذا الاختراق، وتمتينها يعني ان تبقي "م ت ف" الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، واي حديث حول حلول سياسية علنية او سرية خارج اطارها يعتبر عمل مشبوه وقفز مقصود عن كامل الحقوق الوطنية واولها حقه في اقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس العربية. ولعل تمتين الجبهة الفلسطينية يتطلب تنفيذ كل قرارات المجلس الوطني الاخيرة وعقد اجتماع عاجل للمجلس المركزي بحضور الكل الفلسطيني والاعلان رسميا عن اخراج أي طرف فلسطيني يتماهى مع "صفقة القرن" علنا او سرا من الصف الفلسطيني، بل وسحب الجنسية الفلسطينية من كل القيادات الفلسطينية التي قد تعمل مع الولايات المتحدة لتمرير صفقتها، وهنا يصبح عمل الادارة الامريكية مع تلك القيادات غير شرعي وغير قانوني.

* كاتب فلسطيني يقيم في قطاع غزة. - dr.hani_analysisi@yahoo.com