2018-07-08

بناء النظام السياسي الفلسطيني..!


بقلم: د.ناجي صادق شراب

بناء النظام السياسي الديمقراطي التعددي يعتبر أحد أهم الخيارت القوية لإنهاء الاحتلال وقيام الدولة الفلسطينية. وهنا السؤال ما هو الهدف من بناء النظام السياسي الفلسطيني؟

النظام السياسي ليس مجرد بناء مؤسساتي اصم مجرد، النظام السياسي يوفر إطارا حاضنا لجميع القوى السياسية لتعبر وتشارك عن رأيها وتساهم في عملية صنع القرار والسياسة العامة. والنظام السياسي يوفر أيضا إطار الشرعية السياسية الملزمة لجميع القوى السياسية او للحزب او القوة التي تحكم. وآليه بناء النظام السياسي الانتخابات مما يضمن مبدأ تداول السلطة للجميع.

ومن خلال النظام السياسي صياغة البرناج السياسي الذي يحكم عمل السلطة لكن من خلال الشرعية او المشروع الوطني الملزم. الهدف من النظام السياسي توفير الإستقرار والتوازن السياسي والإنتقال السلمي للسلطة.

والسؤال: هل نجح الفلسطينيون في بناء نظامهم السياسي الخاص بهم؟ لا أريد أن أستبق الإجابة وأقول لا، لقد فشل الفلسطينيون في بناء هذا النظام بدليل الإنقسام السياسي القائم، وفشل منظمة التحرير في إحتضان جميع القوى السياسية.

إلا ان هذه الإجابة تحتاج لتوضيح وتفسير. وعلينا في البداية كما يشير علماء السياسة ومنظرو النظم السياسية المقارنة أن نميز بين النظام السياسي بمعنى المؤسسات السياسية السلطوية ويقصد بها التنفيذية والتشريعية والقضائية، وغير السلطوية، أي مؤسسات المجتمع المدني. وآلية الحكم أي إدارة العلاقات بين مؤسسات الحكم، وفلسفة الحكم السائدة، والدستورية التي تعلو وتسمو على جميع القوانيين والقرارات السياسية المخالفة للدستور.

وبناء على العلاقة بين المؤسسات السياسية او السلطات الثلاث يتم تقسيم النظم السياسية إلى نظم سياسية ديمقراطية وغير ديمقراطية، وبرلمانية ورئاسية ونظم مختلطة، في النظم الديمقراطية تسود المؤسساتية والدستورية، وفي نقيضها يسود حكم الشخص أو الفردانية التي تحكم على حساب المؤسساتية فتحولها لمجرد ديكور وبناء هش..!

ولم يعرف النظام السياسي الفلسطيني مفهوم النظام السياسي من منظور المؤسسات والدستور إلا بعد إنشاء السلطة الفلسطينية عام 1996، وقبل ذلك عرف الفلسطينيون النظام السياسي أو الكينونة السياسية من خلال أولا اللجنة العربية عام 1936، ولم تدم طويلا لضعفها وتنافسها الداخلي والتدخلات العربية، ثم حكومة عموم فلسطين التي أنشئت بعد نشوء القضية الفلسطينية عام 1948، ووقتها كان الهدف وجود من يمثل الفلسطينيين في الجامعة ولم تدم طويلا، إلى ان أنشت منظمة التحرير عام 1964 بإداراتها المتعددة والمتنوعة لتقوم بوظائف النظام السياسي، وكان لها صفة التمثيل الشامل لكل الفلسطينيين في الداخل والخارج وصلاحيات وسلطات عديدة، لكن لا يمكن القول ان منظمة التحرير شكلت نظاما سياسيا كاملا، رغم انها أمتلكت سلطة تشريعية ممثلة في المجلس الوطني والمجلس المركزي، وسلطة تنفيذية ممثلة في لجنتها التنفيذية. لكن ما يؤخذ على المنظمة هيمنة الحزب او القوة السياسية الواحدة ممثلة في "فتح"، والقيادة الفردية في إطار جماعي لشخص الرئيس عرفات.

هاتان سمتان اساسيتان للسياسة الفلسطينية: سيطرة القوة الأحادية والهيمنة الفردية.. هذه الصورة إنتقلت للسلطة الفلسطينية التي أنشئت إستنادا لإتفاق أوسلو، لتقوم أول انتخابات تشريعية ورئاسية عام 1996، ولتسيطر عليها "فتح" بالكامل. وهذا أدى إلى دمج وإنصهار المنظمة في السلطة، ومن المظاهر الإيجابية التي يشار إليها ولكن لم يستفد منها تطور وبروز العديد من مؤسسات المجتمع المدني، وهي أيضا انصهرت في بنية السلطة ونفوذها، وعليه فقد النظام السياسي فرصة كبيرة في بناء منظومة ديمقراطية متكاملة وعلاقات سياسية قوية، وبنية دستورية حامية، وكانت النتيجة تراجع في دور منظمة التحرير لحساب السلطة ومؤسساتها، والهيمنة الفردية والشخصانية على مؤسسات السلطة، وإنغماس حركة "فتح" في السلطة مما حملها مسؤوليات كل الفساد الإداري والمالي والإقتصادي بل والسياسي، وافقدها روحها النضالية، وهو الوضع الذي إستفادت منه حركة "حماس" التي قررت ان تشارك في أول إنتخابات لها عام 2006 والتي فازت بها باغلبية كبيرة كادت تصل لثلثي المجلس التشريعي، لو تحقق ذلك لكان بمقدورها تغيير الدستور وكل بنية السلطة. إشكالية هذا الفوز أولا ان بنية السلطة والنظام السياسي القائم لم تكن تسمح بإستيعاب حركة "حماس" التي رأت في النظام جسما غريبا عنها، والإشكالية الثانية محاولة "حماس" إستبدال النظام السياسي القائم بنظام تسيطر عليه، أي الإنتقال الأحادي للسلطة.

ومما زاد الأمور تعقيدا ان محددات بيئة النظام السياسي الفلسطيني الداخلية والخارجية كانت اكبر من قدرة النظام السياسي على التكيف. ومما زاد الأمور تعقيدا وتحديا تحكم إسرائيل في قدرات النظام السياسي بتحكمها بالموارد المالية والإقتصادية، وهو ما اضعف قدرة النظام السياسي على الإستجابة والتكيف. وكانت النتيجة الحتمية إنقلاب "حماس" على نفسها وعلى السلطة ليدخل النظام السياسي الفلسطيني مرحلة من التنازع على الشرعية السياسية، والتمثيل ومشكلة القدرة والتكيف والإستجابة. وكانت الأمور اكثر تعقيدا في غزة بسبب الحصار وحروب ثلاث انهكت القدرات المحدودة أمام أي حكومة وسلطة.

ومع إستمرار الإنقسام وتحوله لبنية سياسية قائمة بذاتها يبرز السؤال: وما الحل؟ هنا يبرز حل سريع من قبل السلطة الفلسطينية وهو العمل على تفعيل وإحياء دور منظمة التحرير ومؤسساتها لكن هذا الخيار تواجهه الكثير من الصعاب والمعيقات بسسب عدم مشاركة "حماس" و"الجهاد" وغيرها، التفكير الثاني وهو الأكثرمواءمة ونجاعة العمل على حل إشكالية النظام السياسي والعمل على بناء نظام سياسي ديمقراطي تعددي يرتكز على المرتكزات التالية:
1- الاتفاق على تحديد ماهية النظام السياسي رئاسي ام برلماني.
2- إعداد دستور ويتوافق ويستجيب ومتطلبات المرحلة الإنتقالية.
3- مراعاة اننا نتكلم عن نظام سياسى إنتقالى له سماته ومحدداته.
4- التوافق على صياغة مشروع وطني فلسطيني يتوافق وماهية النظام السياسي القائم.
5- تفعيل مؤسسات منظمة التحرير، وإعادة صياغة العلاقة بين المنظمة ومؤسسات السلطة على أسس مرجعية واضحة.
6- التمييز بين البرنامج السياسي للمنظمة والذي يعكس التوافق الوطني، والبرنامج السياسي للحكومة، مع مراعاة عدم التناقض في أساسياته.
7- ضمان مبدأ التعددية السياسية وتداول السلطة بالإلتزام بدورية الانتخابات.
8- تفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني كقوة كابحة للتغلغل وإنحراف السلطة ومؤسساتها عن مسارها القانوني الدستوري.
9- تفعيل الشرعية الدستورية والإلتزام بمبدأ السمو الدستورى.
10- إحترام العلاقات بين مؤسسات السلطة، والعلاقة مع مؤسسات المنظمة، وتوضيح الخطوط الفاصلة بين المستويين من المؤسسات والصلاحيات.
11- الإلتزام بمبدأ العدالة الإجتماعية والمساواة بين كل أجزاء الوطن وبين الداخل والخارج.
12- تحديد اهداف النظام السياسي على مستوياتها المتعددة، إسرائيليا إنهاء الاحتلال وقيام الدولة ودوليا الإلتزام بالشرعية الدولية، والإلتزام بالآليات والخيارت السلمية. وداخليا: تحقيق العداله والمساواة والحرية وضمان الحقوق الأساسية للمواطن الفلسطيني.

هذه هي الإشكالية الكبرى التي تواجه مستقبل العمل السياسي الفلسطيني وتستوجب بناء نظام سياسي قادر على القيام بوظائفه، وتحقيق أهدافه. والحل في الديمقراطية.

* استاذ العلوم السياسية في جامعة الآزهر- غزة. - drnagish@gmail.com