2018-07-07

المُخَلخَلون وفرع السماء..!


بقلم: بكر أبوبكر

أشارت د. سهاد زهران بقوة لظاهرة أخذ المجتمع أو الشعب بجريرة المخطئ او الفاسد فيه، فيصم الجاهلون الكل بخطيئة القلة.

وجود المعتوهين هو في كل العالم والمجتمعات المتقدمة والنائمة لا فرق هنا، فالعُته والغباء والسفاهة والتفاهة والقبح صفات انسانية يقابلها من الجميل الكثير، وما كانت هذه الصفات لصيقة بشعب أو أمة بعينها.

لكن التركيز هذه الايام على معاتيه العرب (نشر مؤخرا شريط لشخص يقلد نعاجه قلائد من ذهب، كمثال) هو في سياق انتزاع قسري للانتماء المشترك وتسفيه للسياق الجامع بيننا كأمة عربية اسلامية منفتحة، ودفع باتجاه التجرد من الولاء للحضارة الواحدة التي تجمعنا.

انها قضية نفسية عصبية موجهة بتكرار باتقان وناجحة. ونحن نُساق في أتون محرقة الهوية الكبرى كما تُساق الاغنام للذبح.

عندما سؤل الشخص الذي حاول قتل الاديب نجيب محفوظ، لم أقدم على فعلته؟ قال: رواية أولاد حارتنا، قيل: هل قرأتها قال:لا.

انها عملية غسيل الدماغ التي تُمارس علينا جميعا عبر وسائل التواصل الاجتماعي وتقوم بها دوائر التحريض الالكتروني لمن يتقن استخدامها وعلى رأسهم الصهيونية وتلك الاستعمارية النفسية الاقتصادية، والثقافية الحضارية.

لم هي نفسية اقتصادية؟ لانه ما أجمل أن نظل مستهلكين لبضائع الغرب! ودعايته وثقافته فنفقد الصناعة والزراعة والعلم واللغة وثقافتنا وتميزنا فلا نطول الحمامة ولا الغراب.

اليوم في ذات الاطار التضليلي لعقولنا الضعيفة المستهلكة يكتب استاذ مغربي في صحيفة "هسبريس" ان "اسرائيل" دولة ديمقراطية تحترم العرب؟! ويدعو لعدم التعصب ضدها؟!

جواد مبروكي الذي تعرّفه الصحيفة بالخبير في التحليل النفسي للمجتمع المغربي والعربي، يقول: (إسرائيل تحترم الإسلام والمسلمين وتسمح لهم بالقيام بشعائرهم الإسلامية بكل حرية. كما تمنح الجنسية الإسرائيلية للفلسطينيين وللعرب الذين يمثلون 20% من سكانها. والحرب المؤلمة التي نراها في هذه الديار لا تعني أن إسرائيل عدوة للإسلام)؟!

مضيفا بكل ثقة: (ما يقع في المنطقة هو غياب العدل والظلم الجائر والحروب القاتلة على بقعة أرض)..! بقعة أرض؟! وكأن سرقة الارض والوطن وقتل الشعب وتدمير نسيج الامة العربية لا قيمة لها..! في ظل محاربته للتطرف؟ الى هذا الحد وأكثر تصيبنا الدعاية الاستعمارية-الصهيونية في مقتل.

ان انتزاع فكرة الانتماء لدين أو لأمة او لوطن (كما حصل فرديا مع مصعب حسن يوسف، وللكثرة الجاهلة في الشابكة) ونحن يجمعنا الكثير، هي عملية بالقطع مؤسسية منظمة ومتصلة وتأتي بكل لبوس ولبوس.

ومن لا يحتفظ بخلفية ايمانية ثقافية فكرية متينة وبمنهج فكري واضح سرعان ما ينسحق أمام معاول الدعاية السوداء.

ما أكثر السُذّج في أمتنا، وفيها من السفهاء من كانوا أضحوكة في كتب الجاحظ وابوالفرج الاصفهاني وابن الجوزي وغيرهم ولا يخلو المجتمع منهم اليوم.

كما لا تخلو مجتمعات الغرب من أضعافهم سفاهة وصفاقة وحقارة ودناءة، ولكن القوي يصنع إعلامه، ويسدد الرمية جيدا.

لنا في تركيا اردوغان أمثولة جيدة، وفي خدعة "اسرائيل" الديمقراطية نموذج آخر. ان أفعال السفاهة عند العرب كانت للتندر والطرافة وما كانت لتخلخل الثوابت الا في نفس المخلخَل او المأمور، وهي ليست لخلع معطف الانتماء والولاء للدين والأمة وحضارتنا المتميزة.

يجب أن تظل المساويء حين ذكرها فينا كذلك بخوض الصراع ضدها بلا هوادة، وبالسير قدما بنظرة الواثق للأمام، فيما نحن نؤكد على صلابة المرجعيات، وضرورة امتلاك القدرة على التمييز بين الغث والسمين محاطين بقدرة التصدي للدعاية واختراق العقول.

ان خلخة المخلخل اليوم هي الراجحة، فنحن المخلخلون لقلة ايماننا بالثوابت والجوامع وركائز الانتماء كيف لنا ألا نتساوق مع دعايات القوي؟ وننسحق فنستمرئ شتم أنفسنا وأمتنا الى الدرجة التي سنتبرأ فيها من الانتماء الحضاري لها ونحن ضاحكون.

يجب ان نكون مثل الكلمة الطيبة التي اصلها ثابت وفرعهافي السماء ثقة وصلابة، كما اراد لنا الله ونحن له مؤمنون.

* الكاتب أحد كوادر حركة "فتح" ويقيم في رام الله. - baker.abubaker@yahoo.com