2018-07-01

الشباب في قطاع غزة.. واقع وتحديات..!


بقلم: محسن أبو رمضان

يمر قطاع غزة بظروف بالغة الصعوبة، بسبب حصار مديد وطويل منذ حوالي 11 عاماً مصحوباً بثلاثة عمليات عسكرية عدوانية واسعة تم تدمير بها البنية التحتية والمرافق الانتاجية وتعطيل عملية التصدير وتعثر في عملية اعادة الاعمار رغم المؤتمرات التي عقدت بهذا الخصوص، والتي تعهد بها المانحين بمبالغ مالية لتنفيذ عملية اعادة الاعمار وذلك بسبب آلية الرقابة المقيتة التي تشترط الشروط الاسرائيلية بدلاً من حق شعبنا بالبناء والتنمية والاعمار كجزء من حقه في تقرير المصير، وذلك من خلال منع ادخال بعض المواد اللازمة لعملية التنمية والاعمار بحجة انها مواد "مزدوجة الاستخدام".

وبالوقت الذي يشكل الحصار والعدوان السبب الرئيسي وراء تقهقر فرص التنمية في قطاع غزة، وقد برزت مؤشرات ذلك من خلال تراجع مساهمة كل من قطاعي الزراعة والصناعة بالناتج المحلي الاجمالي مصحوباً بتراجع نسبة مشاركة القوى العاملة في هذين القطاعين إلى جانب تراجع اقتصاد القطاع ومساهمته بالناتج القومي الاجمالي فقد شكل الانقسام سبباً اضافياً لتعميق حالة التدهور الانساني والاقتصادي في قطاع غزة، بسبب غياب منظومة تنموية موحدة وعدم وضع القطاع في صدارة الاولويات والخطط التنموية وعدم وجود آليات تضمن تحقيق التكامل بين اقتصاد القطاع والضفة بوصفها يشكلان البنية التحتية لاقتصاد الدولة المستقلة القادمة.

حذرت العديد من المنظمات الدولية من خطورة تدهور الأوضاع المعيشية بالقطاع وكان ابرزها تقرير الامم المتحدة الذي اشار بأن قطاع غزة لن يكن مكاناً مناسباً للعيش في عام 2020، كما ابرز تقرير برنامج الأمم المتحدة الانمائي (UNDP) بان قطاع غزة بعد ثلاث سنوات لعدوان 2014 يعيش ظروفاً كارثية على المستويات الاقتصادية والاجتماعية، حيث لم يحدث أي تقدم جدي وملموس في عملية اعادة الاعمار، وقد اكد ذلك ايضاً تقرير البنك الدولي والذي اشار بأن هذه العملية لم يتم انجاز بها اكثر من 39% بما يتعلق بالمساكن والطرق والبنية التحتية والمؤسسات والقطاعات الانتاجية الاخرى.

يعتمد سكان القطاع على "الاونروا" وغيرها من وكالات الاغاثة الدولية والمحلية حيث يحصل 80% من السكان على هذه المساعدات من خلال برامج الأغاثة المختلفة، علماً بأن نسبة البطالة وصلت إلى 49% من حجم القوى العاملة والفقر العام حوالي 65% والفقر الشديد حوالي 38%، ويذكر ان نسبة البطالة بين صفوف الشباب ما بين 18 – 29 سنة وصلت إلى 60% وهي الاعلا بالعالم.

يعتبر المجتمع الفلسطيني شاب وفتي وبلغت نسبة الشباب  (29-15) سنة في فلسطين 30% من إجمالي السكان، يتوزعون بواقع 36% في الفئة العمرية (15-19) سنة و64% في الفئة العمرية (20-29) سن ونسبة كبار السن به محدود جداً بحيث لا تتعدى اكثر من 5%.

وعليه فإن الاهتمام بالشباب يعتبر اهتماماً في بنية وتركيبة وواقع ومستقبل المجتمع الفلسطيني.

وهناك العديد من المشكلات والتحديات التي تواجه الشباب بالظروف الراهنة ابرزها البطالة حيث يتخرج من الجامعات الفلسطينية بالقطاع حوالي 20 ألف خريج يضافوا إلى جيش العاطلين عن العمل وقد بلغ عدد العاطلين عن العمل من الشباب سواء خريجي الجامعات والذين يصبحوا في سن العمل أعلا من 16 عاماً ما يقارب من 108 آلاف شخص علماً بأن عدد المتعطلين عن العمل وصلوا إلى حوالي 250 ألف شخص.

لا تساهم البرامج المتبعة بالجامعات في دمج مخرجات التعليم مع مدخلات التنمية حيث لا تتم مراعاة احتياجات سوق العمل ويتم التركيز على التخصصات النمطية التي ليست بالضرورة يحتاجها هذا السوق الأمر الذي يخلق فجوة ما بين التعليم والتنمية، ويساهم في زيادة نسب البطالة بين صفوف الخريجين الذين لا يتم استيعاب اكثر من 5% منهم بالسوق المحلي، علماً بأن القطاع العام أصبح متضخماً ولا يتم استيعاب الجديد به بل يتم تقليص عدد العاملين به، والقطاع الخاص يعاني من تحديات ومعيقات بسبب آلية الرقابة وتعثر عملية اعادة الاعمار كما ان المنظمات الدولية والمحلية تعتبر طاقتها الاستيعابية محدودة جداً، علماً بأنها تعاني من ازمة تمويل وخاصة "الاونروا"، الأمر الذي يتطلب الاهتمام بالمشاريع الريادية والابتكارية الصغيرة ومتناهية الصغر وكذلك التركيز على التعليم التقني والمهني والذي يحظى بالاهتمام الاكبر بالبلدان المتقدمة عن التعليم النظري والنمطي، علماً بأن هناك حاجة إلى الاعتراف ببعض التخصصات بالجامعات المحلية والتي تعاني من حالة عدم الاعتراف جراء اوضاع الانقسام وانعكاساته على قطاع التعليم.

تضاعفت ازمات قطاع غزة مؤخراً جراء تزايد حدة الاحتقان الناتج عن الانقسام، وذلك عبر الاجراءات العقابية التي اتخذتها السلطة الفلسطينية بحق الموظفين العموميين عبر الخصم على العلاوات بنسية 30% ثم تبعها الخصم بنسبة 50% إلى جانب آليات التقاعد المبكر والذي يشمل اعدادا كبيرة من الموظفين العموميين، الأمر الذي اثر على حركة السوق والتبادل الداخلي به بسبب شح النقد الذي ادى لمعيقات في عجلة السوق بما يشمل الانتاج وصولاً للتبادلات المالية والسلعية البسيطة.

ويذكر أن تدهور الوضع الاقتصادي بالقطاع ادى إلى ارجاع حوالي 100 الف شيك تابع لرجال الاعمال في عام 2017 بسبب القيود على حركة الاقتصاد واستمرار حالة الحصار وتداعيات الانقسام.

أدت حالة الحصار وتدهور الاوضاع المعيشية والاقتصادية والاجتماعية إلى جانب الانقسام إلى تعميق أزمة قطاع الشباب، وقد أدى ذلك إلى بروز عدة ظواهر من بينها الرغبة بالهجرة والتي لوحظ انها ازدادت مؤخراً بصورة ملموسة، الامر الذي يعمل على هدر الطاقات البشرية التي تعتبر محمور عملية التنمية، إلى جانب التوجه نحو التطرف الفكري والسياسي وكذلك التوجه نحو الكبونة وبرامج الاغاثة وصولاً إلى "التسول" واستثمار الفراغ بصورة سلبية عبر الجلوس على المقاهي وتعاطي "الاترمال" وغيرها من القضايا التي تدفع باتجاه الجريمة، وأخذ القانون باليد، إلى جانب الانعكاسات الاجتماعية الخطيرة مثل استخدام العنف بالعلاقات الأسرية ومع المجتمع كوسيلة لحل المشكلات بدلاً من أساليب الحوار والتفاهم الحضاري.

وبالوقت الذي يحتاج قطاع غزة إلى تدخلات دولية لإنهاء المأساة الانسانية التي يعيشها من خلال تنفيذ مشاريع اقتصادية حيوية وهذا حق طبيعي له فإن الشباب مطالب بأن يأخذ زمام المبادرة لانتزاع حقوقه التي لا تتحقق بدون انهاء الانقسام واعادة اللحمة للنسيج السياسي والاجتماعي الفلسطيني وصياغة الخطط والبرامج التي تساعد في ترسيخ مقومات الصمود وتعزيز المشاركة في صناعة القرار.

لقد بات مطلوباً تشجيع الشباب على تنفيذ مبادرات ترمي إلى استنهاض طاقات المجتمع وتعمل على بث الأمل على قاعدة تضمن الصمود والاستمرارية والكفاح لتحقيق اهدافنا الثابتة والمشروعة في اطار الربط المحكم بين الانساني والسياسي وعدم السماح بتقديم الحل الانساني على حساب وحدة الارض والشعب والهوية، ومن اجل تحقيق مجتمع مدني ديمقراطي مبني على سيادة القانون والفصل بين السلطات واحترام الحريات العامة على قاعدة دستور مدني يضمن الانتخابات الدورية والتداول السلمي للسلطة.

* كاتب وباحث فلسطيني يقيم في قطاع غزة. - muhsen@acad.ps