2018-07-01

"تُقتحم القلاع من داخلها"..!


بقلم: علي جرادات

يتضح، يوماً بعد يوم، أن إدارة ترامب، لا ترى الفلسطينيين والعرب وحدهم، إنما العالم بأسره، بعيون ربيبتها إسرائيل، بل، وبعيون أشد حكوماتها تطرفاً وعنجهية، وأكثرها استعمالاً للسرديات "التلمودية" الخرافية غير التاريخية. فبعد قرارها بشأن القدس ونقل سفارتها إليها، وإجراءاتها العقابية تجاه "الأونروا"، ومكتب منظمة التحرير لديها، ومساعداتها لـ"السلطة الفلسطينية"، أوفدت، (ادارة ترامب)، الاسبوع الماضي، وفدا يضم "كوشنير" و"غرينبلات"، إلى المنطقة، بعد أن التقى الأخيران ونيكي هايلي ممثلين عن هيئة الأمم، لتوفير مظلة دولية لأطروحات هذا الوفد. ومن التسريبات، والتصريحات الرسمية تبين أن مداولات الوفد مع مسؤولي الدول التي زارها تركزت حول إيجاد حلٍ لأزمة غزة الانسانية. وتبين، أيضاً، أن أفكار الوفد لحل هذه الأزمة تتطابق، تماماً، مع أفكار كانت حكومة الاحتلال قد قدمتها لاجتماع الدول المانحة مطلع العام الجاري. وتبين، أيضاً وأيضاً، أن الوفد عاد بخفي حنين، حسب وسائل إعلام الاحتلال.

يعني؟ لقد حضر المذكوران للاستثمار في أزمة غزة وتنازع "سلطتيْن فلسطينيتيْن" على "سلطة" بلا سلطة فعلية، لتمرير فصل آخر من فصول تطبيقات خطة "صفقة القرن" التصفوية. أي ليستعملا أزمة صنعتها، وفاقمتها، حكومات الاحتلال وحصارها الشامل وحروبها التدميرية، بدعم متعدد الأطراف، بقيادة الطرف الأميركي. إذاً نحن إزاء مؤامرة جديدة  لتحويل قضية الفلسطينيين كشعب نصفه تحت الاحتلال، ونصفه الثاني مشرد، إلى قضية انسانية. أي إزاء حلقة أخرى في حلقات سياسة ثابتة للاحتلال، وحلفائه، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة. فحكومات إسرائيل لم تتوقف يوماً عن مساعي إدامة احتلالها لـ"مناطق 67"، و"أسرلة" فلسطينيي "مناطق 48"، لقاء "تحسين شروط المعيشة". أما مساعي اختزال قضية اللاجئين في بُعدها الانساني لتصفية حق العودة، فحدث ولا حرج.

إذاً من الطبيعي حدَّ البداهة أن تستعمل حكومة الاحتلال والإدارة الأميركية أزمة غزة، وأن تتخذاها، غطاء لفرْضِ وقائع ميدانية جديدة يُبنى عليها لاختزال حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني في "دويلة" مركزها غزة، وأطرافها ما لا تريده إسرائيل من الضفة وبعض احياء القدس، لأسباب تتعلق بالتوازن الديموغرافي. كيف لا؟ والاحتلال هو مَن عمل، طيلة 12 عاماً، في السر والعلن، سياسياً ودبلوماسياً وعسكرياً وأمنياً، لإيصال قطاع غزة إلى ما وصل إليه، لناحية النقص الحاد في مقومات قطاعات الصحة، والتعليم، والخدمات، والسكن، والطاقة، والكهرباء، والماء، والصرف الصحي، والبنية التحتية، عدا بلوغ البطالة والفقر معدلات مرعبة.

أما غير الطبيعي، وغير المعقول، هنا، فخطاب قيادتيْ "فتح" و"حماس"، اللتان تسهبان في شرح مخاطر"صفقة القرن" وتحدياتها، لكن أياً منهما لم تتقدم خطوة عملية واحدة على طريق إعادة توحيد الصف الوطني، كرافعة لتعزيز صمود الشعب، وتفعيل المواجهة السياسية والشعبية الدائرة مع الاحتلال والإدارة الأميركية، وتوسيع نطاقها، جغرافيا واجتماعياً، وعربيا وإقليميا ودولياً. ففي حين تتواصل فصول تطبيقات الخطة الأميركية- "الإسرائيلية" على الأرض، ترفع الحركتان وتيرة تبادل الاتهامات، والتراشق الإعلامي، ووصلات الردح على الفضائيات، وكأن انقسامهما المُدمر حدث للتو، وليس قبل 11 عاماً. إذ بينما تتهم "فتح" حركة "حماس" بالتساوق مع فكرة "الدولة ذات الحدود المؤقتة"، وفكرة "الهدنة طويلة الأمد"، بما يكرس فصْلَ الضفة عن القطاع، تتهم "حماس" حركة "فتح" بعدم الجدية في مواجهة "صفقة القرن"، وبالمشاركة في حصار القطاع وتجويعه لإضعاف الحالة الشعبية الفلسطينية تهيئةً للتعاطي مع "الصفقة".

هنا، ثمة عودة لخطاب التخوين التوتيري، ولأيديولوجيا "تقديس" الذات و"شيطنة" الآخر البائسة، بلا مُبرِّر، ومن دون أساس. فالحقيقة هي أن الحركتين ترفضان مؤامرة إدارة ترامب لتصفية القضية الفلسطينية، وأن أياً منهما لا تستطيع القبول بها حتى لو أرادت. لكن خطيئة الحركتيْن، إنما تكمن في أنهما، لأسباب فئوية و"سلطوية" إقصائية، لا تتمثلان، كما ينبغي، حقائق أن فلسطين ما زالت محتلة، وأن شعبها ما زال في مرحلة تحرر وطني، وبالتالي، فإن كل مقاربة لا تبدأ وتنتهي بترجيح التناقض الأساسي مع الاحتلال على التعارضات الوطنية الداخلية، إنما هي مقاربة مُدمرة ، أيا تكن المبررات والنوايا، آخذين بالحسبان أن "جهنم مبلطة بالنوايا الحسنة"، وأن "العبرة في النتائج"، وأن "القلاع لا تُقتحم إلا من داخلها"، وبداهة أن "القلعة الفلسطينية"، هنا، ليست استثناء.

* كاتب وناشط فلسطيني- رام الله. - ali-jaradat@hotmail.com